نظرة إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلُّ نظره الملاحظةُ، يسوق أصحابه
قوله: (نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء) أي: لأنه أجمع للفكرة، وأوسع للاعتبار، ولأنه بعث لتربية أهل الأرض، لا لتربية أهل السماء. والنظر كما في «المصباح» : تأمل الشيء بالعين. والأرض كما قاله الراغب: الجرم المقابل للسماء، ويعبر بها عن أسفل الشيء، كما يعبر بالسماء عن أعلى الشيء، والطول الامتداد، يقال: طال الشيء: امتد، وأطال الله بقاءك: مده ووسعه، ولعل ذلك كان حال السكوت والسكون، فلا ينافي خبر أبي داود: «كان إذا جلس يتحدث يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء» . وقيل: إن الأكثر لا ينافي الكثرة.
قوله: (جل نظره الملاحظة) بضم الجيم وتشديد اللام، أي: معظم نظره إلى الأشياء - لا سيما إلى الدنيا وزخرفتها - الملاحظة. أي: النظر باللحاظ بفتح اللام، وهو: شق العين مما يلي الصدغ، وأما الذي يلي الأنف: فالموق، ويقال له: الماق. فلم يكن نظره إلى الأشياء، كنظر أهل الحرص والشره، بل كان يلاحظها في الجملة، امتثالا لقوله تعالى: (لا تمدين عينيك) الآية.
قوله: (يسوق أصحابه) وفي بعض الروايات: يَنسُّ أصحابه، أي: يسوقهم فإن النس - بنون فمهملة مشددة: السوق، كما في"القاموس"فكان صلى الله علي وسلم يقدمهم بين يديه، ويمشي خلفهم، كأنه يسوقهم، لأن الملائكة كانت تمشي خلف ظهره، فكان يقول: «اتركوا خلف ظهري لهم» ولأن هذا شأن الولي مع المُولى عليهم، ليختبر حالهم وينظر إليهم فيربي من يستحق التربية، ويعاتب من تليق به المعاتبة، ويؤدب من يناسبه التأديب، ويكمل من يحتاج إلى التكميل. وإنما تقدمهم في قصة جابر - كما قال النووي: لأنه دعاهم إليه فكان كصاحب الطعام إذا دعا طائفة يمشي أمامهم