ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعا، خافض الطرف،
قوله: (ويمشي هونا) هذا تتميم لكيفية مشيه صلى الله عليه وسلم. فقوله «إذا زال زال قلعًا» إشارة إلى كيفية رفع رجليه عن الأرض. وقوله: «ويمشي هونًا» إشارة إلى كيفية وضعهما على الأرض. وبهذا عرف أنه لا تدافع بين الهون والتقلع والانحدار. والهون: الرفق واللين. فكان صلى الله عليه وسلم يمشي برفق ولين، وتثبت ووقار، وحلم وأناة، وعفاف وتواضع. فلا يضرب برجله، ولا يخفق بنعله. وقد قال الزهري: إن سرعة المشي ذهب بهاء الوجه.
وهذه الصفة قد وصف الله بها عباده الصالحين بقوله (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا) ولا يخفى أنه صلى الله عليه وسلم أثبت منهم في ذلك، لأن كل كمال في غيره فهو فيه أكمل.
قوله: (ذريع المشية) بكسر الميم، أي: واسع الخطوة خلقة لا تكلفة. قال الراغب: الذريع: الواسع، يقال: فرس ذريع أي: واسع الخطوِ، فمع کونه صلى الله عليه وسلم كان يمشي بسكينة، كان يمد خطوه حتى كأن الأرض تطوى له.
قوله: (إذا مشى) يصح أن يكون ظرفا لقوله «ذريع المشية» ولقوله «كأنما ينحط من صبب» والثاني: هو المتبادر، وتقدم الكلام عن ذلك.
قوله: (وإذا التفت التفت جميعا) أي: بجميع أجزائه كما تقدم.
قوله: (خافض الطرف) أي: خافض البصر، لأن هذا شأن المتأمل المشتغل بربه، فلم يزل مطرقة متوجها إلى عالم الغيب، مشغولا بحاله، متفكرأ في أمور الآخرة، متواضعة بطبعه. والطرف - بفتح فسكون.: العين، كما في «المختار» وأما الطرَف ? بالتحريك: فهو آخر الشيء، فطرف الحبل آخره. وهكذا.