ومن عللوا بالاقتيات والادخار رد عليهم بأن الملح ليس قوتًا يقتات عليه الناس، كما أنهم طردوا الحكم في أصناف ليست من الأقوات ولا من المدخرات فدل ذلك على اضطرابهم وتناقضهم، ومن عللوا بالطعم استدلالًا بعموم بعض الألفاظ تكلفوا ما لا يمكن إثباته فإن لفظ (الطعام بالطعام) لم يرد إلا في حديث واحد، ثبت أنه مروي بالمعنى، وعلى فرض ثبوته فهو من العام الذي أريد به الخاص، أو العام المخصوص بالعرف المقارن للخطاب، وقد ثبت عن أبي سعيد الخدري وعن معمر وغيرهما أنهم يطلقون على البر والشعير الطعام، وقد صرح معمر رضي الله عنه أن طعامهم يوم نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن (الطعام بالطعام) كان الشعير، ثم أين هو العام الذي لم يدخله التخصيص؟ حتى يأتي من علل بالطعم إلى هذه اللفظة ويبني عليها هذه الفروع التي لا حصر لها حتى أدخل كل مطعوم وإن لم يكن يطلق عليه اسم الطعام، وقد جاءت لفظة الطعام معرفة بأل العهديه، فالمراد الطعام المعهود لديهم، ولم يكن عندهم من الطعام إلا التمر والشعير والبر.
فكيف لم تنهض عنده كل هذه الأدلة القوية لتخصيص هذا العموم المدعى الذي لم يوافق عليه أكثر الفقهاء؟!.
وإذا كان هذا القول ـ الذي وصل إليه الباحث ـ لم يتكلف استخراج العلل الخفية، فإنه في المقابل لم يجمد على الألفاظ، ولم يفرق بين المتشابهات، بل عمل بمنطوق النص ومفهومه فأخذ حكمها كل ما انتفى فيه الفارق المؤثر ووجد فيه المعنى الذي شرع الحكم من أجله وترتب على تحريم الربا فيه المصلحة المراعاة عند تشريع هذا الحكم، وبهذا تحقق حماية أمرين عظيمين عليهما قوام حياة الناس ومعايشهم وهما:
(1) الأثمان والنقود التي هي الوسيط في تبادلاتهم المالية، وهي المعيار للقيم والأموال، وفي جعلها سلعة يجري فيها الربا ما يفضي إلى تذبذبها وعدم استقرارها وتكدسها في أيد قليلة فيلحق الضرر بالعامة.