9 -ومن الملحوظات على الدراسة النقدية أيضا عدم وضوح الأصول التي تقوم عليها فقد ذكر الناقد بأن صحيفة المدينة ضعيفة وأحال على دراسة اليامي كما ضعف رواية أمر عمر صهيبا بقتل من خالف من أهل الشورى ما اتفق عليه الأكثر وأحال على دراسة أخرى! وكأن تضعيف هذا أو ذاك كاف في إثبات الحكم على الرواية بالضعف وكاف في إلزام المخالف في الرأي! ومع أنه لا يضر كتاب (الحرية أو الطوفان) تضعيف خبر الصحيفة وخبر صهيب لأنهما ليسا من الأصول في الكتاب بل وردا على سبيل الاستشهاد والمتابعات، ووجه الاستشهاد بخبر صهيب هو في إثبات أن عمر أمر بأخذ رأي الأكثر إذا اختلف أهل الشورى وهذا القدر ثابت بالروايات الصحيحة الأخرى التي أوردتها قبل خبر صهيب، أما الأمر بقتل من خالف منهم رأي الأكثر فليس مقصودا حتى يقف عنده الناقد الفاضل وليس فيه غرابة بل الأمر بقتل من شق عصى الجماعة ووحدة الأمة وارد بأحاديث نبوية صحيحة كما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، بل ووارد بالروايات الأخرى عن عمر نفسه، ولعل عمر أراد التغليظ كالأمر بقتل من مر بين يدي المصلي الذي ليس على ظاهره بل للدلالة على خطورة الأمر، وقد روى خبر صهيب هذا المؤرخ الكبير موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر وهذا إسناد على شرط البخاري.
ثم على فرض ضعف خبر الصحيفة وخبر صهيب فليس هناك ما يمنع من إيرادهما على سبيل الاستشهاد لا الاحتجاج، خاصة وأني ذكرت شرطي في أول كتابي وأنني أقتصر على الروايات الصحيحة والمقبولة عند المؤرخين دون الموضوعة، وللمؤرخين بل وللمحدثين مدارس مختلفة في النقد وقبول الأخبار ليس هذا محل تفصيل القول فيها وبالإمكان الرجوع لبحثي المحكم والمنشور بعنوان (منهج ابن جرير الطبري في نقد الأخبار) هذا المنهج النقدي الذي تجلى في أوضح صوره في كتابه (تهذيب الآثار) الذي صحح فيه كثيرا من الأحاديث التي ضعفها غيره من الأئمة بناء على قواعده في النقد.