ومثل ذلك الوقوف عند موضوع جمال الدين الأفغاني والإحالة على بعض الدراسات التي لا يسلم لها مع أن أعلم الناس بالأفغاني هو الشيخ محمد رشيد رضا وقد وصفه بالمجدد وأفاض في ذكر مآثره وذب عنه ورد الشبه التي أثارها بعض من لا يعرفه حق المعرفة، وممن أثنى عليه وزكاه الشيخ المحدث أحمد شاكر ـ وكفى به إماما في الجرح والتعديل ـ حيث وصفه بما لم أصفه أنا به كما نقلته في (الحرية أو الطوفان) وقد كان والده الشيخ محمد شاكر من تلاميذ الأفغاني، وعلى كل حال لو وقفنا عند كل شخصية ورد ذكرها في الكتاب وما دار حولها من الجدل والخلاف لما سلم لنا أحد، وإنما أوردت كلام الأفغاني وغيره في ثنايا الحديث عن ظهور خطاب سياسي جديد بعد عقود من الركود الفكري والسياسي كان للأفغاني اليد الطولى في بعثه وهذه حقيقة تاريخية لا ينكرها إلا مكابر بقطع النظر عن آرائه الأخرى ومواقفه، فالمقصود من الكتاب دراسة المراحل التاريخية للخطاب السياسي الإسلامي منذ ظهوره إلى يومنا الحاضر فلا يمكن تجاوز دور جمال الدين الأفغاني سواء رضيناه أو سخطناه، بل يكاد المؤرخون المعاصرون على اختلاف توجهاتهم يجمعون على أنه باعث الحركة الإصلاحية الفكرية المعاصرة في العالم الإسلامي كما شهد له بذلك العلامة المحدث أحمد شاكر فليس جمال من الأسافل كما جاء في الدراسة النقدية، ولا يشك من عرف تاريخه وجهاده في سبيل جمع كلمة الأمة ورص صفوفها لمواجهة الاستعمار الصليبي الغربي أن وصفه بالأسافل من الظلم والعدوان الذي شان هذه الدراسة النقدية، بل هو من الأكابر وإن أخطأ أو وقع منه تقصير وكما قال الذهبي (الإنصاف عزيز) ، وقد قال في شأنه محدث العصر وفقيه مصر العلامة القاضي الأثري أحمد شاكر في مقدمة كتابه (الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر) ثم جاءت النهضة العلمية الإسلامية الحاضرة وقد نفخ في روحها رجال كانوا نبراس عصرهم وفي مقدمتهم جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده