فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 498

تعالى (ورحمتي وسعت كل شيء) ، فليست الرحمة شيئا غير الله بل الرحمة وصف قائم به سبحانه، فقولنا وسع علم الله ورحمته كل شي ونسبتنا الفعل هنا وهو الاتساع للعلم والرحمة لا يعني أنهما فاعلان من دون الله، بل المعنى مرادف تماما لقولنا وسع الله جلل جلاله كل شيء رحمة وعلما، لكونه سبحانه متصف بصفة الكمال المطلق الذي ليس كمثله شيء ومن ذلك اتصافه بالعلم الشامل المطلق الذي لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، والرحمة الشاملة لكل مخلوقاته لا يخرج عنها شيء، فهو سبحانه الذي أحاط بكل شيء علما ووسع كل شيء رحمة وبرا، فالله هو الفاعل وليس الرحمة والعلم التي هي صفاته، وإنما نسب الفعل لهما من باب نسبة الشيء لما يقع به وبسببه، وهو أسلوب من أساليب العرب ويسميه البيانيون المجاز المرسل، كقولهم سال الوادي أي سال الماء في الوادي، فنسبوا الفعل للوادي لكونه الظرف الذي وقع فيه الفعل وهو الجريان والسيلان، ونحو ذلك حديث (أعوذ بعزتك) أي أعوذ بك يا ذا العزة التي لا تقهر ولا تخفر أو أعوذ بك يا عزيز لا يقهر ولا يجار عليه، فليست الاستعاذة بعزة الله استعاذة بغير الله، إذ لا وجود للصفات دون الذوات في الخارج، ولا ذوات بلا صفات تمتاز بها عن غيرها من الموجودات في عالم الوجود، وليست الصفة سوى الوصف القائم بالموصوف أو التي تقوم بالموصوف، فجازت الاستعاذة بعزة الله وهي استعاذة بالله لا بغيره لكون اتصافه جل جلاله بالعزة التامة والقوة المطلقة التي لا تخفر سببا في لجوء عباده إليه واستغاثتهم به وحده لا شريك الله، فقول القائل (شاءت قدرة الله) أو (شاء القدر) أي شاء الله بقدرته وإنما جاز نسبة الفعل للقدر لوقوع الحوادث به لا لكونه هو الفاعل بل الله جل جلاله هو الذي يقدر كل شيء بعلمه وقوته وقدرته المطلقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت