والصحيح الراجح أنها محكمة غير منسوخة مع المسلمين وغير المسلمين في دار الإسلام وفي غير دار الإسلام فهذا هو الأصل في الدعوة إلى الإصلاح أنها بالحكمة واللين والرفق وهذا لا يتعارض مع النصوص الأخرى التي توضع بمواضعها ويراعى فيها حيثياتها دون إلغاء للأصل ولهذا كانت دعوة الرسل كافة دعوة للإصلاح السلمي كما قال شعيب لقومه (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) [هود 88]
قال القرطبي في تفسيره (أي ما أريد إلا فعل الصلاح أن تصلحوا دنياكم بالعدل وآخرتكم بالعبادة ما استطعت لأن الاستطاعة من شروط الفعل) .
كما أمر الله نبيه موسى وأخاه هارون أن يدعوا فرعون مع طغيانه وجبروته باللين (اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا) .
ثانيا: تقرير قاعدة عدم السيطرة على المخالف:
كما قال تعالى (لست عليهم بمصيطر) [الغاشية 22] وقال تعالى (وما أنت عليهم بجبار) [ق 45] .
قال ابن جرير الطبري في تفسير الآية (لست عليهم بمسلط ولا أنت بجبار تحملهم على ما تريد يقال تسيطر فلان على قومه إذا تسلط عليهم) .
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآيات منسوخة بآيات القتال والصحيح والراجح أنها آيات محكمات تنفي عن النبي صلى الله عليه وسلم نفيا قاطعا أن يكون جبارا كالملوك الجبابرة الذين يقهرون الناس بالقوة على طاعتهم وإتباع أمرهم، وهذا الوصف باق له صلى الله عليه وسلم حتى بعد هجرته والإذن له بالجهاد لدفع عدوان الظالمين، فلم يكن ملكا ولا جبارا ولا مسيطرا حتى بعد هجرته، بل أطاعه الأنصار بعقد البيعة في العقبة، وأطاعه أهل يثرب من المشركين واليهود فيها بعقد المعاهدة في صحيفة المدينة، فالحكم العام والأصل نفي التسلط والجبر على الآخرين ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة والحكم بينهم بالقسط والعدل.