وهذا يؤكد مدى حرص الخليفة الراشد عمر الفاروق على حماية الهوية الإسلامية، والشخصية الاجتماعية للأمة، خاصة بعد الفتوح العظيمة في عصره لفارس والروم، وحرصه على تميز المسلمين حتى لا يذوبوا في الأمم الأخرى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان عناية عمر في هذا الأصل (وقد قدمنا ما رواه البخاري في صحيحه عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس(إياكم وزي أهل الشرك) [64] وهذا نهي منه للمسلمين عن كل ما كان من زي المشركين .. وفيه أن عمر رضي الله عنه أمر بالمعدية وهي زي بني معد بن عدنان وهم العرب فالمعدية نسبة إلى معد ونهى عن زي العجم وزي المشركين وهذا عام كما لا يخفى وقد تقدم هذا مرفوعا [65] .... وقد كان لعمر رضي الله عنه في هذا الباب من السياسات المحكمة ما هي مناسبة لسائر سيرته المرضية فإنه رضي الله عنه هو الذي استحالت ذنوب الإسلام بيده غربا فلم يفر عبقري فريه حتى صدر الناس بعطن فأعز الله به الإسلام [66] .. ومما يوضح ذلك أن كل ما جاء من التشبه بهم إنما كان في صدر الهجرة ثم نسخ ذلك، لأن اليهود إذ ذاك كانوا لا يميزون عن المسلمين لا في شعور ولا في لباس لا بعلامة ولا غيرها، ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع الذي كمل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما شرعه الله من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار والهدى). [67]
2 ـ النهي عن زي اليهود في قص شعورهم:
عن الحجاج بن حسان قال دخلنا على أنس بن مالك فحدثتنى أختى المغيرة قالت وأنت يومئذ غلام ولك قرنان أو قصتان فمسح رأسك وبرك عليك وقال (احلقوا هذين أو قصوهما فإن هذا زى اليهود) . [68]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (علل النهي عنهما بأن ذلك زي اليهود وتعليل النهي بعلة يوجب أن تكون العلة مكروهة مطلوبا عدمها فعلم أن زي اليهود حتى في الشعر مما يطلب عدمه وهو المقصود) . [69]