الألفاظ، وبليغ المعاني واللغات، فمثلا: عند قول الحق جل وعلا: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) } البقرة: 170. فجاء في معرض كلامه على قوله: (أولو كان ءاباؤهم) ، قال: فالهمزة مستعملة في الإنكار كنايةً وفي التعجيب إيماءً، والمراد بالإنكار الرد والتخطئة لا الإنكار بمعنى النفي، و"لو"للشرط وجوابها محذوف دل عليه الكلام السابق، تقديره: لاتَّبَعُوهم، والمستفهم عنه هو الارتباط الذي بين الشرط وجوابه، وإنما صارت الهمزة للرد لأجل العلم بأن المستفهمَ عنه يجاب عنه بالإثبات بقرائن حال المخبر عنه والمستفهِم. ومثل هذا التركيب من بديع التراكيب العربية وأعلاها إيجازًا (2) .
ثم جاء بكلام نفيس للعلماء في معنى الواو وأداةِ الشرط، وأدلى بدلوه ورأيه في تلك المسألة في نهاية تلك الفقرة.
ومن ذلك أيضًا قبل الآية المتقدمة في قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) } البقرة: 61، فعند كلمة"الثوم"جاء بأصل اشتقاقها وتصريفها وما فيها من أقوال، فقال: وقد اختلف في الفُوم فقيل: هو الثُوم بالمثلثة وإبدال الثاء فاءً شائع في كلام العرب كما قالوا: جدث وجدف وثَلَغ وفَلغ، وهذا هو الأظهر والموافق لما عد معه ولما في التوراة.
وقيل الفوم الحنطة وأنشد الزجاج [1] لأحيحة بن الجلاح (2) :
(1) أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج؛ من أكابر أهل العربية، صنف مصنفات كثيرة؛ منها كتاب المعاني في القرآن، وكتاب الفرق بين المؤنث والمذكر، إلى غير ذلك، توفي سنة:311 هـ. (انظر: نزهة الألباء في طبقات الأدباء كمال الدين الأنباري: ص 185. ـ وتاريخ العلماء النحويين من البصريين والكوفيين وغيرهم، للمفضل بن محمد بن مسعر المعري: ص 38. ـ وتاريخ بغداد: 6/ 86) .
(2) ... أُحَيحَة بن الجُلاح بن الحَرِيش الأوسي أبو عمرو، شاعر جاهلي، من دهات العرب وشجعانهم، قال الميداني: كان سيد يثرب، وقال البغدادي: كان سيد الأوس في الجاهلية وكان مرابيًا كثير المال. (انظر: الأعلام للزركلي: 1/ 277 ـ معجم الشعراء العرب، لموقع الموسوعة الشعرية،"المكتبة الشاملة": ص 465) .
(3) ... انظر: التحرير والتنوير: 1/ 522، 523.