ذلك الخطاب الذي وجهه لعباده عبر كتابه المنزل على أفضل رسله وخاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم.
واللغة من المحاور التي أطنب وأبدع فيها ابن عاشور ـ رحمه الله ـ في تفسيره، فإنه تتبع مفردات القرآن كلمة كلمة وأبان ما فيها من جوانب لغوية، ونكت بلاغية، واستعمالات عربية، ووجوه إعجازية، فتارة يُشْبِعُكَ من غزارة فكره ومكنوزه اللغوي، وأخرى يرويك من طول نفسه وقوة تحمله وصبره في تتبع دقائق المعانى، وخفيات المباني، ولقلمي ينضب ويشيخ بل ويكل ويمل إن رُمْتُ وصف ما رأيت واطلعت في تفسيره، مما يحار العقل، ويعجب اللب أن هذا الجهبذ من رجالات عصرنا الحاضر، ولكنه فضل الله يؤتيه من يشاء، ونوره يفيضه على قلب من أحب من عباده.
وأدعه- رحمه الله- يصف لنا شيئًا من موقفه في تفسيره المبارك من هذه اللغة الشامخة، فإن في ما سطره هو أحلى عبارة، وأدلّ عبارة على مذهبه ومقصوده، فقال- رحمه الله-: وقد نحا كثير من المفسرين بعض تلك الأفنان، ولكن فنا من فنون القرآن لا تخلو عن دقائقه ونكته آية من آيات القرآن، وهو فن دقائق البلاغة هو الذي لم يخصه أحد من المفسرين بكتاب كما خصوا الأفانين الأخرى، من أجل ذلك التزمت أن لا أغفل التنبيه على ما يلوح لي من هذا الفن العظيم في آية من آي القرآن كلما ألهمته بحسب مبلغ الفهم وطاقة التدبر.
وقد اهتممت في تفسيري هذا ببيان وجوه الإعجاز ونكت البلاغة العربية وأساليب
الاستعمال [1]
ويم الله الأمر كما قال فقد سار في تفسيره على هذا المنحى حقًا، وأستخرج من كل آية بل من كل لفظة في كتاب الله ما فتح الله عليه فيها من دقائق
(1) انظر: التحرير والتنوير: 2/ 102.
(2) ... انظر: نفس المرجع السابق: 2/ 106.