وابن عاشور-رحمه الله- قد جلاّ موقفه من تفسير القرآن بالسنة في أول تفسيره، وذلك أثناء كلامه في المقدمة الثالثة، حيث حسم مادة المسألة بما فيه مقنع وأتى بأدلة وبراهين دامغة، فهو لم ير إهمال تلك الطريقة بالكلية والجنوح عنها، كما أنه لا يوافق الذين جمدوا عندها ولم يروا نهجًا متبعًا دونها، إلا أن اهتمامه بالتفسير بالرأي هو الغالب عليه، وما ذاك إلا بسبب المنهج والطريقة التي التزمها في تفسيره، وهو الاهتمام ببيان وجوه الإعجاز ونكت البلاغة العربية وأساليب الاستعمال، وهذا النهج لا يتأتى لو أنه اقتصر على ما ورد من المأثور، ولأن الآثار الواردة في السنة وعن السلف في تفسير كلام الله - عز وجل - قليلة جدًا، وآيات القرآن الكريم قد حوت وتضمنت من المعان والأحكام والإعجاز الشيء الكثير، الأمر الذي لا يمكن لأهل عصر أو اثنين أو ثلاثة إدراكه وحصره بل هو يسع العصور كلها والأزمان جميعها، لا يدرك كنه ما فيه من العلم والحكمة إلا منزله وقائله جل وعلا، (فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ ابْتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ،