الصفحة 20 من 34

فسيبويه يذكر أن قومًا من ربيعة يكسرون الهاء إتباعًا لكسرة الميم مع وجود النون الساكنة وهي ليست حاجزًا حصينًا عند ربيعة، والأصل (مِنهُم) ، وذكر أنها لغة رديئة، وعلل رداءتها بأن هناك فاصلًا بين الهاء وكسرة الميم، فكان يجب اتِّباع الأصل، وهو ضم الهاء، لكنهم عدلوا عن ذلك، وبذلك يكون سيبويه قد قنَّن المسألة، وذكر أنه عند وجود الفاصل والحاجز، يكون الأولى اتِّباع الأصل، وعند انعدام الحاجز، فلك الوجهان: الإتباع، أو المخالفة والجريان على الأصل، ودليل ذلك قوله: لأنك قد تجري على الأصل ولا حاجز بينهما، فإذا تراخت وكان بينهما حاجزٌ لم تلتق المتشابهة.

فسيبويه استعمل لفظة الإتباع هنا بمعنى المماثلة، ومثَّل لذلك بالإتباع والمماثلة بين كسرة الميم وضمة الهاء، وقد أطلق بعض اللغويين على هذه الظاهرة اسم (الوهم) ، ومنهم السيوطي، فقد قال:"ومن ذلك الوهْم في لغة كلْب يقولون: منهِم وعنهِم وبينهِم، وإن لم يكن قبل الهاء ياءٌ ولا كسرة" [1] .

ويرجع الدكتور إبراهيم أنيس لهجة ولغة كلب هذه إلى تأثُّرها بما جاورها من لغات سامية كالآرامية والعبرية اللتين تؤثران الكسر في مثل هذه الضمائر [2] .

ومن صور الإتباع عند سيبويه أيضًا: قولهم: (بهي) بإشباع كسرة الهاء في (بِهِ) ، و (لَدَيْهِي) بعد إشباع كسرة الهاء في (لَديهِ) ، يقول:"اعلم أن أصلها الضم وبعدها الواو؛ لأنها في الكلام كله هكذا؛ إلا أن تُدركها هذه العلة التي أذكرها لك، وليس يمنعهم ما أذكر لك أيضًا من أن يخرجوها على الأصل، فالهاء تكسر إذا كان قبلها ياءٌ أو كسرة؛ لأنها خفية كما أن الياء خفية، وهي من حروف الزيادة كما أن الياء من حروف الزيادة؛ وهي من موضع الألف وهي أشبه الحروف بالياء، فكما أمالوا الألف في مواضع استخفافًا، كذلك كسروا هذه الهاء، وقلبوا الواو ياءً؛ لأنه لا تثبت واوٌ ساكنة وقبلها كسرة، فالكسرة ها هنا كالإمالة في الألف لكسرة ما قبلها وما بعدها؛ نحو: كلاب وعابد، وذلك قولك: مررت بهي قبل، ولديهي مال، ومررت بدارهي قبل، وأهل الحجاز يقولون: مررت بهو قبل، ولديهو مالٌ" [3] .

(1) المزهر، ج 1، ص 176

(2) في اللهجات العربية، ص 96.

(3) الكتاب، ج 4، ص 195.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت