الصفحة 16 من 34

المبحث الثالث: المماثلة عند سيبويه

دراسة المماثلة عن سيبويه تستلزم دراسة مصطلحات كثيرة؛ لأن سيبويه لم يطلق على هذه الظاهرة مصطلحًا واحدًا، بل سماها وأطلق عليها عدة مصطلحات؛ منها:

1 -المضارعة: وهو مصطلح قريب جدًّا في المعنى من المماثلة، وقد جاء في الكتاب عند قوله:"هذا باب الحرف الذي يضارع به حرفٌ من موضعه، والحرف الذي يضارع به ذلك الحرف، وليس من موضعه"، ثم راح يُمثل لهذا للنوع الأول - الذي هو من موضعه - بالصاد الساكنة إذا كانت بعدها الدال؛ وذلك نحو: مصدر، وأصدر، والتصدير، وقد ذكر الدكتور تمام حسان تعليقًا على قول سيبويه، مفاده أن الصاد إذا تلتها الدال حدث نوع من الإدغام يتناول الصفة ولا يتناول المخرج؛ لأن المخرج في كل الأحوال متقارب ولا يتغيَّر، فالصاد والدال مخرجهما من طرف اللسان وأصول الثنايا، لكن ما يحدث أن الصاد يلحقها الجهر إذا جاءت الدال بعدها [1] ، ومثال ذلك كلمة (مصدر) ، تُنطق: (مزدر) ؛ ذلك أن الصاد أصبحت مجهورة تأثرًا بالدال بعدها، فتحولت إلى (زاي) ، وهو الصوت المجهور الذي يتفق مع الدال في المخرج والصفة.

وأما الحرف الذي يضارع به ذلك الحرف، وليس من موضعه، فقد قال سيبويه:"وأما الحرف الذي ليس من موضعه فالشين؛ لأنها استطالت حتى خالطت أعلى الثنيتين، وهي في الهمس والرخاوة كالصاد والسين، وإذا أجريت فيها الصوتَ، وجدت ذلك بين طرف لسانك وانفراج أعلى الثنيتين، وذلك قولك: أشدق ... والجيم أيضًا قد قُرِّبت منها، فجُعِلت بمنزلة الشين، من ذلك قولهم في الأجدر: أشدر" [2] .

فسيبويه يتحدث في هذا النص عن الشين التي تُشبه السين والصاد في الهمس والرخاوة، وبذا تضارع الصاد عند وقوع الدال بعدها، فكما تحوَّلت الصاد إلى زاي في النطق تأثرًا بجهر الدال، كذلك تحوَّلت الشين إلى جيم نطقًا؛ وذلك تأثرًا بالدال المجهور بعدها، ومثَّل سيبويه لذلك بقول بعض العرب في أشدق: أجدق.

وقد سماها الدكتور تمام حسان الشين المجهور، وقال عنها:"وهي الشين المجهورة التي تُشبه صوت الجيم في اللهجة السورية واللبنانية، فكان الناطقون بهذه الشين من العرب يجعلون كلمة"

(1) اللغة العربية معناها ومبناها، ص 294، بتصرف.

(2) الكتاب، ج 4، ص 479.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت