وبعد ذلك ظهر أول معجم في العربية وهو كتاب العين المنسوب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي، والذي بُنِي على أساس صوتي، وصُدِّر بمقدمة صوتية تعد أول دراسة صوتية منظمة وصلت إلينا في تاريخ الفكر اللغوي عند العرب [1] .
وجاء بعد ذلك كتاب سيبويه حاوي علم الخليل الذي تضمَّن دراسات صوتية أوفت على الغاية دقةً وأهميةً، وتنوَّعت بتنوُّع مادتها، فكان منها ما يتعلق باللهجات والمقايسة بينها والاستدلال لها، ومنها ما يعرض للقراءات، ومنها ما يتحدث عن ظواهر صوتية مختلفة كأحكام الهمز من تحقيق وتسهيل، والإمالة والفتح وما يتعلق بهما من أحكام، والإعلال والإبدال والتعليل الصوتي لهما، إلى غير ذلك من مباحث صوتية مبثوثة في طيَّات الكتاب بأجزائه الأربعة، ويستأثر الجزء الرابع بأجَلِّ هذه المباحث، وهو باب الإدغام الذي استهلَّه سيبويه بذكر عدد الحروف العربية، ومخارجها، ومهموسها، ومجهورها، وأصولها وفروعها، وما إلى ذلك مما يدخل في تكوين النظام الصوتي العربي؛ ليغدو أساسًا ومرجعًا لكل مَن صنَّف في هذا الباب من النحاة واللغويين والقرَّاء [2] .
يقول الدكتور محمد علي خيرات:"وقد قدَّم ابن جني دراسة وافية للصوت العربي في كتابه (سر صناعة الإعراب) ، عرض فيها لجهاز النطق الإنساني وطبيعته ووظيفته، وقد وقف كثير من المحدثين أمام صنيعه مندهشين ومعجبين بما قرره، وموازين ما توصلوا إليه في دراساتهم الحديثة مع ما قرره ابن جني؛ مما يؤكد سبقه في هذا المجال" [3] .
ذكر الدكتور محمد حسن الطيان أن ابن جني يُعد أول مَن أفرد المباحث الصوتية بمؤلف مستقل، ونظر إليها على أنها علم قائم بذاته في كتابه (سر صناعة الإعراب) الذي بسط فيه الكلام على حروف العربية: مخارجها، وصفاتها، وأحوالها، وما يعرض لها من تغيير يؤدي إلى الإعلال أو الإبدال، أو الإدغام أو النقل أو الحذف، والفرق بين الحرف والحركة، والحروف الفروع المستحسنة والمستقبحة، ومزج الحروف وتنافرها، ولا تقتصر جهود ابن جني الصوتية على ما في سر الصناعة، وإنما تتعدَّاه إلى كُتبه الأخرى، وفي مقدمتها الخصائص الذي تضمن
(1) انظر: علم الأصوات عند العرب؛ للدكتور محمد حسان الطيان، والتفكير الصوتي عند الخليل؛ للدكتور حلمي خليل، وأصالة علم الأصوات عند الخليل من خلال مقدمه كتاب العين؛ للدكتور أحمد محمد قدور.
(2) علم الأصوات عند العرب؛ للدكتور محمد حسان الطيان، ص 4؛ بتصرف.
(3) أثر مخرج الحرف وصفته في تصريف الكلام، ص 30.