القدر من الإيمان لم يكونوا مسلمين، وإنما نفي عنهم الإيمان لانتفاء ذوق حقائقه ونقص بعض واجباته، وهذا مبني على ان التصديق الذين يتجلى الغيب لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة بحيث لا يقبل التشكيك والارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لم يبلغ هذه الدرجة بحيث لو شكك لدخله الشك. ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم مرتبة الإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه، وهذا لا يحصل لعموم المؤمنين، ومن هنا قال بعضهم: ما سبقكم أبو بكر بكثرة الصوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في صدره [1] . وسئل ابن عمر هل كانت الصحابة رضى الله عنهما يضحكون؟ فقال: نعم في قلوبهم أمثال الجبال [2] . فأين هذا ممن الإيمان في قلبه يزن ذرة أو شعيرة كالذين يخرجون من أهل التوحيد من النار فهؤلاء يصح أن يقال لم يدخل الإيمان في قلوبهم لضعفه عندهم، وهذه المسائل: أعني مسائل الإسلام والإيمان والكفر والنفاق مسائل عظيمة جدًا، فإن الله عز وجل علق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنة والنار. والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة حيث اخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية وادخلوهم في دائرة الكفر وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم ثم حدث بعدهم خلاف المعتزلة وقولهم بالمنزلة قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيف متعددة، وممن صنف في الإيمان من أئمة السلف الإمام أحمد وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن أسلم الطوسي وكثرت فيه التصانيف بعدهم من جميع الطوائف، وقد ذكرنا ها هنا نكتًا جامعة لأصول كثيرة من هذه المسائل والاختلاف فيها، وفيه إن شاء الله كفاية.
(1) وقد روى هذا القول مرفوعا الي النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح رفعه قال ابن القيم في المنار المنيف (246) : (وهذا من كلام أبي بكر بن عياش) وقال السخاوي في المقاصد الحسنة (ص:369) : (من قول بكر بن عبد الله المزني)
(2) اخرجه معمر بن راشد في الجامع (20671، 20976) وفي اسناده انقطاع فان قتادة لم يدرك ابن عمر ولم يسمع منه.