بالحوائج والمتطلبات ولكن هل هذا هو نهاية المطاف؟ وإذا كان هذا هو نهاية المطاف، فماذا تبقي لنا من إنسانيتنا وبشريتنا التي ميزنا الله بها وبما نحمله من عقول وعقول مسلمة عن بقية البشر من ناحية وبقية المخلوقات من جهة أخري، قال تعالي {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [1] .
وهذا هو الذي قادني للبحث في أعماق هذا الإنسان لرؤية حقيقته التي ينطلق منها إلي الخارج أو السطح لإعمار هذا الكون فكان ذلك الإنطلاق إلي الأعماق من منطلق ما أحمله من استعانة بالله خالق هذه الأعماق والداعي إلي التدبر فيها، قال تعالي {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [2] . وقد أبصر هذا العصر والعصور السابقة الكثير من أسرار وأعماق هذه النفس وهو ما تمت الإشارة إليه أعلاه من قدرات ومؤهلات البشر في إعمار هذا الكون ولكنها في غالبها جاءت مجردة من الباطن الخفي الذي ينتظر أهل البصيرة والإيمان، فانفصل العلم الدنيوي عن علوم الشريعة (وهذه هي مهمة إسلامية المعرفة التي لا تستطيع القيام بها إلا من أوتي القرآن وحظًا وافرًا من العلوم والمعارف الاجتماعية المعاصرة والمتوازنة بشكل كافٍ لاكتشاف ذلك التداخل المنهجي بين القرآن والكون والإنسان) [3] ، فتم الفصل بين علوم الدنيا و علوم الآخرة وتخصص كلٌ في مجاله دون أن يفكر في أسلمة العلوم وتأصيلها وربط العلوم الدنيوية بعلوم الآخرة.
من هنا وضعت الهدف من هذا البحث كبداية لمشوار تأصيلي أرجو من الله أن يعينني على المضي فيه إلي آخره لكي نصل معًا إلي ما نرجوه من فهم صحيح ومتكامل للأمور.
الباب الأول
العقل القلبي من حيث التكوين ويشمل الآتي:
الفصل الأول: المرحلة الأولى (مرحلة العقل القلبي البشري) ويشمل المباحث الآتية:
(1) سورة الأعراف آية: (179) .
(2) سورة الذاريات آية: (21) .
(3) مجلة التأصيل، العدد الثاني 1995 م، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، إدارة تأصيل المعرفة - السودان - الخرطوم، رئيس التحرير التجاني عبد القادر حامد وسكرتير التحرير قاسم أبو الخير في موضوع إسلامية المعرفة بين الأمس واليوم، أ. د. طه جابر العلواني، ص 13.