فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 1119

هذه الكبائر من مسمى الإيمان لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها لأن الاسم لا ينتفي إلا بانتفاء بعض أركان المسمى أو واجباته وأما وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث سؤال جبريل عليه السلام عن الإسلام والإيمان وتفريق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وإدخاله الأعمال في مسمى الإسلام دون مسمى الإيمان فإنه يتضح بتقرير أصل وهو أن من الأسماء ما يكون شاملا لمسميات، والاسم المقرون به دال على باقيها، وهذا كاسم الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحداهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات والآخر على باقيها، فهكذا اسم الإسلام والإيمان إذا افرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده ودل الآخر على الباقي. وقد صرح بهذا المعنى جماعة من الأئمة قال أبو بكر الإسماعيلي في رسالته إلى أهل الجبل: قال كثير من أهل السنة والجماعة إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فرض الله على الإنسان ان يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضموما إلى الآخر، فقيل المؤمنون والمسلمون جميعًا مفردين أريد بأحدهما معني لم يرد بالآخر، وإذا ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمهم وقد ذكر هذا المعنى أيضا الخطابي في كتابه معالم السنن، وتبعه عليه جماعة من العلماء من بعده، ويدل على صحة ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الإيمان عند ذكره مفردا في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام المقرون بالإيمان في حديث جبريل، وفسر في حديث آخر الإسلام بما فسر به الإيمان كما في مسند الإمام احمد عن عمرو بن عبسة قال: جاؤ رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال:"الإيمان"، قال: وما الإيمان؟ قال:"الهجرة"قال: فما الهجرة؟ قال:"أن تهجر السوء"قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال"الجهاد" [1] . فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان أفضل الإسلام وأدخل فيه الأعمال، وبهذا التفصيل يظهر تحقيق القول في مسألة الإسلام والإيمان هل هما واحد، أ, هما مختلفان؟ فإن أهل السنة على أنهما شيء واحد منهم محمد بن نصر المروزي وابن عبد البر. وقد روي هذا القول عن سفيان الثوري من رواية أيوب بن سويد الرملي عنه، وأيوب فيه ضعف. ومنهم من يحكي عن أهل السنة التفريق بينهما كأبي بكر بن السمعاني وغيره، وقد نقل هذا التفريق بينمها عن كثير من السلف: منهم قتادة وداود بن أبي هند وأبو جعفر الباقر والزهري وحماد بن زيد وابن مهدي وشريك وابن ابي ذئب واحمد بن حنبل وأبو خيثمة ويحيي بن معين وغيرهم على اختلاف بينهم في صفة التفريق بينهما، وكان الحسن وابن سيرين يقولان مسلم ويهابان مؤمن، وبهذا التفصيل الذي ذكرناه يزول الاسمين كان بينهما فرق. والتحقيق في الفرق بينمها أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له، وذلك يكون بالعمل وهو الدين كما سمي الله تعالى في كتابه الإسلام دينا وفي حديث جبريل، وسمي النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام والإيمان والإحسان دينًا، وهذا أيضًا مما يدل على أن

(1) أخرجه احمد (4/ 114) وعبد بن حميد في المسند (301) وقال الهيثمي في المجمع (1/ 59) : (رجاله ثقات) أهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت