والطاعة والعصيان وشاءها منهم، فهذه الدرجة يثبتها أهل السنة والجماعة، وينكرها القدرية، والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية ونفاها غلاتهم كمعبد الجهني الذي سئل ابن عمر عن مقالته وكعمرو ابن عبيد وغيره. وقد قال كثير من أئمة السلف ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا وإن جحدوه فقد كفروا، يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد، وأن الله قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ فقد كذب بالقرآن فيكفر بذلك، وإن أقروا بذلك وأنكروا أن الله خلق أفعال عباده وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية فقد خصموا، لأن ما أقروا به حجة عليهم فيما أنكروه، وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين العلماء. وأما من أنكر العلم القديم فنص الشافعي وأحمد على تكفيره وكذلك غيرهما من أئمة الإسلام. فإن قيل فقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين الإسلام والإيمان قول وعمل ونية، وان الأعمال كلها داخل في مسمى الإيمان. وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم. وأنكر السلف على من أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارًا شديدًا. وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولًا محدثًا سعيد بن جبير وميمون بن مهران وقتادة وأيوب السختياني وإبراهيم النخعي والزهري ويحيي بن أبي كثير وغيرهم. وقال الثوري: هو رأى محدث ادركنا الناس على غيره. وقال الأوزاعي: كان من مضى من السلف لا يفرقو بين الإيمان والعمل. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار: أما بعد: فإن للإيمان فرائض وشرائع قيل: فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ذكره البخاري في صحيحه [1] . قيل: قبل الأمر على ما ذكره وقد دل على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وفي الصحيحين عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لوفد عبد القيس:"آمركم بأربع: الإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس" [2] . وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذي عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"ولفظه مسلم [3] . وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يزني الزاني حيث يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" [4] . فلولا أن ترك
(1) في كتاب الإيمان - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم:"بني الإسلام على خمس".
(2) حديث صحيح: أخرجه البخاري (53 - 87) ومواضع أخرى، ومسلم (17)
(3) حديث صحيح: أخرجه البخاري (9) ، ومسلم (35) .
(4) حديث صحيح: أخرجه البخاري (2475) ومواضع أخرى، ومسلم (57) .