عن الإعتماد على التدرج الإيماني من الإسلام الأول وعصر النبوة إلى الإيمان في العصور المتقدمة إلى العصر الحديث وكل ذلك داخل القلب أي العقل داخل القلب أى الفكر الروحي إلى أن يخرج في صورة جوارح تقوم بعمل عصري حديث لم تصبه شائبة روحية وهذا هو المعنى الروحي لفقه التمكين أو ما يعرف بتمكين الدين وليس تمكين الأرض كما سيأتي لاحقًا في الحديث عن ثقافة التمكين وأنواعه حسب الشرع.
إذًا من لم يحمل هذا الدين همًا وفكرًا داخل قلبه فلن تتحرك جوارحه إلا بما حمل نيةً وهمًا وفكرًا والجوارح هنا هي خلاصة الإتباع الإيماني بإعتبار أن المقصود من كلمة الإتباع ترد كثيرًا في القرآن مثل اتباع الرسول قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [1] . وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم باتباع الحق والوحي قال تعالى: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) [2] .
وهكذا يكون تدرج الفكر الإيماني مقصود به أمرين:-
1.تدرج ذاتي أي داخلي من القلب تأسسا وتثبيتًا على الحق لأنه سينطلق من هذا القلب إلى الجماعة فالأمة إلى كل الأرض ولن يكون ذلك إلا بتفرغ القلب من هموم الدنيا ما استطاع إلى ذلك سبيلا كما جاء في الحديث (تفرقوا من هموم الدنيا ما استطعتم فإنه من كانت الدنيا أبر همه أفشى الله تعالى ضيعته وجعل فقره بين عينيه ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله تعالى له أمره وجعل غناه في قلبه وما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا جعل قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة) [3] . وقال تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [4] . وجاء في الحديث (عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله فقال إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الحياة الدنيا وزينتها) [5] . وأيضًا ورد
(1) سورة آل عمران (31)
(2) سورة الانعام (106)
(3) كثر العمال في سنن الأقوال لعلاء الدين على بن حسام الدين الهندي ج 3 ص 153 حديث رقم (6077)
(4) سورة يونس (24)
(5) البخاري 3/ 258 ومسلم (2053) و (123)