الثالثة: في هذه الآية أول دليل وأوضح سبيل على إن الله سبحانه خالق الهدي والضلال والكفر والإيمان فاعتبروا أيها السامعون وتعجبوا أيها المفكرون من عقول القدرية بخلق إيمانهم وهداهم فإن الختم هو الطبع فمن أين لهم الإيمان ولو جهروا وقد طبع على قلوبهم وعلي سمعهم وأعمي أبصارهم ومن يضلل الله فما له من هاد) [1] وكان فعل الله ذلك عدلًا فيمن أضله وخذله إذ لم يمنعه حقًا وجب له فتزول صفة العدل وإنما منعه ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم. فإن قالوا إن معني الختم والطبع والغشاوة التسمية والحكم والإخبار بأنهم لا يؤمنون لا الفعل قلنا: هذا فاسد لأن حقيقة الختم إنما هو فعل ما يصير به القلب مطبوعًا مختومًا ولا يجوز أن تكون حقيقته أنه فعل ما صار به الكتاب مطبوعًا مختومًا لا التسمية ولا الحكم، هذا ما لا خلاف فيه بين أهل اللغة لأن الأمة مجمعة على أن الله تعالي قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم كما قال تعالي (بل طبع عليها بكفرهم) وأجمعت الأمة على أن الطبع والختم على قلوبهم من جهة النبي عليه الصلاة ولاسلام والملائكة والمؤمنين فلو كان الختم والطبع هو التسمية والحكم لما أمتنع من ذلك الأنبياء والمؤمنين لأنهم كلهم يسمون الكفار بأنهم مطبوع على قلوبهم وأنها مختوم عليها وأنهم في ضلال لا يؤمنون ويحكمون عليهم بذلك فثبت أن الختم والطبع هو معني غير التسمية والحكم وإنما هو معني يخلقه الله في القلب يمنع من الإيمان به والدليل قوله تعالي {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} [2] وقال {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [3] أي لئلا يفقهوه وما كان مثله.
الرابعة: قوله (علي قلوبهم) فيه دليل على فضل القلب على جميع الجوارح والقلب للإنسان وغيره وخالص كل شئ وأشرفه قلبه فالقلب موضع الفكر وهؤلاء في الأصل مصدر قلبت الشئ أقلبه قلبًا إذا رددته على بداءته وقلبت الإناء: رددته على وجهه ثم نقل هذا اللفظ فسمي به هذه العضو الذي هو أشرف الحيوان لسرعة الخواطر ولترددها عليه كما قيل: ما سمي القلب إلا من تقلبه فأحذر على القلب من قلب وتحويل [4]
ثم نقلت العرب هذا المصدر لهذا العضو الشريف التزمت فيه تفخيم قائه تفريقا بينه وبين أصله، روي ابن ماجة عن أبي موسي الأشعري عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: (مثل القلب مثل ريشة تقلبها الرياح
(1) القرطبي، المجلد الأول، الجزء الأول، تفسير سورة البقرة، ص 186.
(2) سورة الحجرات آية: (12) .
(3) سورة الأنعام آية: (25) .
(4) القرطبي، المجلد الأول، الجزء الأول، تفسير سورة البقرة، ص 187.