مما يعني الانفصال عن القلب الأم كما يجب تسجيل ملاحظة وهي إن فيها عضوين وردت فيهم صيغة الجمع للتعبير عن هذا التعدد وترك العضو الثالث الذي لم ترد فيه صيغة الجمع وهو (سمعهم) أما البصر والقلب تم جمعهم ولكن يلاحظ إن بلاغة القرآن كانت أوضح للمعني قبل أن تكون أوضح للغة نفسها فجاء ذكر الثلاثة أعضاء معًا وتوحيد المخاطبة فيهم للجماعة ولكن اختلفت طريقة وضعهم بحيث جاء بعضهم في صيغة جمع تابعة للجماعة وجاء أحدهم بصيغة المفرد وتم وضعه في الوسط بين الاثنين اللذين في صورة جمع حتي لا يختلط الأمر على أحد ويذهب بعيدًا في إبعاد هذا العضو عن بقية الأعضاء ليدل كل ذلك على إن الطريقة التي وضعوا بها بهذا والاختلاف للصفة الموحدة بهذه الأعضاء داخل العبد وهي تعدد القلوب والأبصار وتوحيد السمع وهي صفة جامعة للبشرية كلها بالفطرة التي خلق الله عليها هذه الأعضاء وللمزيد من الشرح حول تعدد القلوب والبصر وتوحد السمع وحتي يصب ذلك كله في المزيد من الشرح حول تعدد القلوب موضوع هذا الجزء من البحث لذلك تستخدم الآية أعلاه نفسها في المزيد من التفسير ونوردها هنا كما يلي:-
قال تعالي {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [1]
الشرح في القرطبي:
فيها عشر مسائل:
الأولي: قوله تعالي {خَتَمَ اللَّهُ} بين سبحانه في هذه الآية المانع لهم من الإيمان وختم الله، الختم ختمت ختمًا ومختم شديد المبالغة ومعناه التغطية على الشئ والاستيقان منه حتي لا يدخله شئ ومنه: ختم الباب وما يشبه ذلك حتي لا يوصل إلي ما فيه ولا يوضع في غير ما فيه وقال أهل المعاني: وصف الله تعالي قلوب الكفار بعشرة أوصاف: بالختم والطبع والضيق والمرض والتزين والموت والقساوة والانصراف (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم من ذكر الله) وقال (ثم قست قلوبهم من بعد ذلك) وقال في الموت (أو من كان ميتًا فأحييناه) وقال (إنما يستجيب الذين يسمعون والموتي يبعههم الله) وقال في التزيين {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} وقال في المرض {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} وقال في الضيق {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} وقال في الطبع {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} وقال في الختم {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وسيأتي بيانها كلها في مواضعها إن شاء الله.
الثانية: الختم يكون محسوسًا كما بينا في هذا الآية فالختم على عدم عن الحق سبحانه يكون مفهموم مخاطباته والفكر في آياته وعلي السمع: عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم أو دعوا إلي وحدانيته وعلى الأبصار: عدم هدائتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته، هذا معني قول ابن عباس وابن مسعود وقتادة وغيرهم.
(1) سورة البقرة الآية: (7) .