معها عكس هذا السطح الزجاجي لصورة وجهك إذا نظرت في عين إنسان شخص آخر أو إذا نظرت إلي إنسان العين الخاص بك من خلال مرآة من هنا جاء التصوير في الآية للعين هذا من ناحية الفن التصويري أما من ناحية دينية بحثة فقد قصد بالعين هنا والنور فيها بنور البصيرة وهو تعبير يطلق في الدين عن رؤية الحق حق والباطل باطل قال تعالي {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [1] وبين بصر العين أو الإبصار أي هذه الآية التي نحن بصددها تشير إلي المقارنة بين بصر العين وبصر القلب وهناك آية أخري في هذا الصدد قال تعالي {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [2] فإذا كانت حالة العمي الخاصة بالتعبير في الدين هي عمي القلوب وليس عمي الأبصار فهذا يعني أمرين:
1.يعني إن القلوب هنا هي الدم والأعصاب التي تمر من طريقها عبر القلب الأم والجهاز العصبي المركزي ثم تأخذ طريقها حتي تصل العين لأن عضو العين لابد له من تغذية عصبية دموية حتي تتم عملية الإبصار وهكذا شملت حاسة البصر العين والقلب الأم وهذه هي صلة القلب بالجوارح علميًا ودينيًا.
2.يعني أيضًا إن خاصية التبصير هي في الأساس تنبع من القلب رغم إن العضو الخاص بها هو عين الرأس وذلك من خلال النور الإلهي ومصدره القلب ومن هذا النور تنتشر الأشعة عبر الدورة الدموية والأعصاب حتي تصل إلي عين الرأس، ليس هذا فحسب بل إن كل ما تراه عين الرأس ما هو إلا ترجمة فقط وعكس لما يحدث من رؤية داخل القلب أولًا بمعني إن هناك فرق بين البصر والتبصير والرؤية فالبصر هو عين الرأس والتبصير يقوم به القلب فإذا انعكس إلي العين لا يعتبر هذا إبصار للعين بل رؤية وبالتحديد رؤية الحق حق والباطل باطل وهذا هو الفرق بين الرؤية والتبصير والإبصار ثم إن هناك ملاحظة هامة وهي إن الرؤية رغم إنها تري بعضو العين إلا أنها تشمل رؤية كاملة للعين والقلب معًا لأن الأمر أصبح مرتبط بالتبصير ولا يمكن للتبصير أن يكون عضو واحد بل هو نور شامل مترابط مع كل الأجهزة والأعضاء كلٌ بحكم عمله ولذا فإن التبصير أشمل وأعم من الإبصار الذي تختص به العين فقط، والرؤية أعم وأشمل من التبصير لأنه يشمل القلب إضافة إلي جارحة العين الخاصة بالرأس ومن الجهتين الإبصار وعدمه أو العمي والإبصار معًا هذا من جهة الرؤية الخاصة بالتبصير ولكن هناك نوع آخر من الرؤية وهي رؤية عامة تشمل الدين والدنيا ولا يدخل فيها من فقد عضو العين وأصابه عمي فيها كعضو إبصار، لذا فالرؤية أعم وأشمل من التبصير بإضافة هذا النوع الأخير وقد عبرت الآية عن هذا النوع الأخير في قوله تعالي (لا تعمي الإبصار) أي عين الرأس في الحقيقة لا يصيبها العمي إلا ذلك الخلل العضوي
(1) سورة يوسف الآية: (108) .
(2) سورة الحج الآية: (46) .