فهرس الكتاب

الصفحة 700 من 1119

في الشرع وأن هذه الآية آذنت بعدمه، قال أبو الحسن الأشهري وجماعة من المتكلفين: تكليف ما لا يطاق جائز عقلا ولا يجزم ذلك من عقائد الشرع ويكون ذلك أمارة على تعذيب المكلف وقطعا به وينظر إلي هذا التكليف المصور أن يعقد شعيرة واختلف القائلون يجوازه هل وقع في رسالة محمد صلي الله عليه وسلم أم لا فقالت فرقة: وقع في نازلة أبي لهب لأنه كلفه الإيمان بجملة الشريعة ومن جملتنا أنه لا يؤمن لأنه حكم عليه بتب اليدين وصلي النار وذلك مؤذن له بأنه لا يؤمن فقد كلفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن وقالت فرقة لم يقع قط. وقد حكم الإجماع على ذلك لقوله تعالي {سَيَصْلَى نَارًا} معناه إن وافي حكاه ابن عطية (ويكلف) يتعدي إلي مفعولين أحدهما، محذوف وتقديره عبادة أو شيئا فالله سبحانه وتعالي بلطفه وإنعامه علينا وإن كان قد كلفنا بما يشق ويثقل كثبوت الواحد للعشرة وهجرة الإنسان وخروجه من وطنه ومفارقة أهله ووطنه وعادته لكنه لم يكلفنا بالمشقات المثقلة ولا بالأمور المؤلمة كما كلف من قبلنا بقتل أنفسهم وقرض موقع البول من ثيابهم وجلودهم بل سهل ورافق ووضع عنا الإصر والأغلال التي وضعها على من كان قبلنا فلله الحمد والمنة والفضل والنعمة.

وقوله تعالي {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} يزيد من الحسنات والسيئات، قاله السري وجماعة المفسرين لاختلاف بينهم في ذلك، قاله ابن عطية، وهو مثل قوله تعالي {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} والخواطر ونحوها ليست من كسب الإنسان وجاءت العبارة في الحسنات (لها) من حيث هي مما يفرح المرء بكسبه ويسر المرء بها فتضاف إلي ملكه وجاءت في السيئات (عليها) من حيث هي أثقال وأوزار ومتحملات صعبة وهذا كما تقول لي مال وعلي دين وكرر فعل الكسب فخالف بين التصريف حسنا لنمط الكلام كما قال {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} قال ابن عطية: ويظهر لي في هذا أن الحسنان هي مما تكسب دون تكلف إذ كاسبها على جادة أمر الله تعالي ورسم شرعه والسيئات تكتسب ببناء المبالغة إذ كاسبها في أمرها خرق حجاب نهي الله تعالي ويتخطاه إليها فيحسن في الآية مجئ التصريفين إحرازا لهذا المعني.

وفي هذه الآية دليل علي صحة إطلاق أئمتنا على أفعال العباد كسبا واكتسابا ولذلك لم يطلقوا على ذلك لا خلق ولا خالق لمن أطلق ذلك من مجترئة المبتدعة ومن أطلق من أئمتنا ذلك على العبد وأنه فاعل فبالمجاز المحض. وقال المهدوي وغيره: وقيل معني الآية لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، قال ابن عطية: وهذا صحيح في نفسه ولكن من غير هذه الآية.

وقال الكيا الطبري: قوله {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} يستدل به على أن من قتل غيره بمثقل أو بخنق أو تغريق فعليه ضمانه قصاصا أو دية خلافا لمن جعل ديته على العاقلة وذلك يخالف الظاهر ويدل على وجوب الحد على العاقلة إذا مكنت مجنونا من نفسها. وقال القاضي أبو بكر العربي: ذكر علماؤنا هذه الآية في أن القود واجب علي شريك الأب خلافا لأبي حذيفة وعلى شريك الخاطئ للشافعي وأبي حذيفة لأن كل واحد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت