ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [1] وهنا عندما يوصف العبد بالغفلة فهذا يعني ضمنا إن قلبه غافل وبالتالي لابد من أن يوصف القلب بصفة أخري غير الغفلة وهي صفة تصحب العبد الغافل أصلا وهي صفة عدم التفقه بمعني إن هذا العبد إذا عرض عليه أمر في الدين فلن يفقهه وقد وصف القرآن الكثير من أمثال هؤلاء، قال تعالي في الآية السابقة {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [2] فتم وصف العبد بالغفلة والقلب بعدم التفقه ولما كان القلب سينعكس على الجوارح كان لابد من أن تتصف الجوارح بصفات تلائم حالة القلب فكانت العين لا تبصر والأذن لا تسمع وفي هذه الآية دلالة على أمرين:
أولًا: إن الجوارح جزء لا يتجزأ من القلب وليس فقط أنها تنعكس على الجوارح أي الجانب الاعجازي العلمي الديني في هذا الأمر وسيتضح لاحقًا.
ثانيًا: إن هناك أمرين لابد من الفصل بينهما دينيا وعلميًا وهما الجهاز الموجود في جسم العبد والعمل الذي يقوم به مثل العين وعملها الإبصار والأذن وعملها السمع وذلك لأن الجهاز مركب عند كل البشر أما العمل فيختلف، لماذا؟ لأن عمل الجهاز في الدين يمتد ليشمل جانب التغذية الروحية والجسدية معا للجهاز المعين وهذا لابد أن يختلف فيه البشر لذا نجد القرآن يوضح ذلك ويرجع جانب العمل للجوارح أو جانب العمل لهذه الأجهزة للقلب لأنه مقر التغذية الروحية والجسدية كما سيتضح لاحقا وبالتالي يتفاضل ويتباين البشر حوله.
إذا الغفلة وعدمها هي الأساس فإذا استمر العبد في الغفلة يتحول الأمر إلي ختم القلب والطبع، أما بالنسبة لما يعكسه كل نوع من هذه القلوب على الجوارح فهو يتوافق مع القلب فالقلب الغافل الذي لا يفقه ينعكس إلي سمع غير قلبي ولذا يوصف العبد بأن له أذن لا يسمع بها كما في الآية السابقة وبصر غير قلبي ويوصف بأن له عين لا يبصر بها أي أن الجهاز موجود ولكن المشكلة في العمل الذي يقوم به فالجوارح هنا أصبحت فصل بين التغذية الروحية والجسدية ولكن يتدرج هذا الانفصال بحسب الدرجة التي عليها العبد من الغفلة إلي الختم والطبع نهائيا ومن الكفر إلي الإسلام كل على حسب درجته ثم تذكر حالات الجوارح في كل
(1) سورة الأعراف آية: (179) .
(2) سورة الأعراف آية: (179) .