الجوارح أو لم يظهر وظل وسعًا قلبيًا ففي كلا الحالتين يتم الحساب كما وضح أعلاه، فإن كان العمل بقدر الوسع كان الأمر إيجابيًا وإن زاد أو قص تعتبر تقصيرًا وجانبًا سلبيًا وفي كلا الحالتين يكون الحساب إما بالعقاب أو الثواب كما وضح اعلاه وهذه هي العلاقة بين الوسع والإيمان والتكليف معًا بالذنوب موضوع هذا الجزء من البحث مما يقودنا إلى الحديث عن الكسب والإكتساب اي أن الآية (إن تبدوا ما في أنف سكم أو تخفوه) هي آية عامة لياتي التفصيل في الآية الت يتليها مباشرة (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) بمعنى أن الأصل في الأمر هو أن الله تعالى وضع التكليف بحسب الوسع ووضع الوسع بحسب الإيمان ودرجته عند العبد وعلى هذا الأساس أو الأصل إن ظهر العمل في الجوارح أو بقي في القلب فإن البد محاسب تبعًا لمخالفته للأصل أعلاه أو عدم مخالفته له أي بالثواب إذا لم يخالف وبالعقاب إذا خالف. ولكن وضع الشرع إستثناء في الجزء الخاص بما هو خفي وهو حديث النفس التي لا يحاسب عليها العبد سواء كانت تبع الوسع أو أكبر منه أو أقل منه لأنها تأتي دون تمكن من العب عليها أو سيطرة عليها. لذلك ورد في الشرع ما يتم بشأنها صراحة. قال تعالى (قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس) [1] وقال تعالى (ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) [2] . وجاء أيضًا في الحديث (حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد ومحمد بن عبيد النبوي(واللفظ لسعيد) ، قالوا: أبو عوانة عن قتادة، عن زرارة بن أوقى، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به) [3] .
أما النية والهم فكلاهما يكون فيهما الحساب رغم انهما يعتبران جانب خفي للجزء من الآية (أو تخفوه) ولا أحد بهما إلا صاحبهما ولكن رغم ذلك يكون فيهما الحساب لماذا؟
لأن المراحل للعمل من القلب إلى الجوارح لا بد لها من شئ من التفصيل مثل النية، الهم، الوسوسة، العزيمة، المشاعر التي يحملها العبد في داخله مثل الندم، الحزن، الخوف، الحب، الإعجاب، التكبر والكثير الكثير الذي لا يراه الناس ويعتبر في الجانب الخفي التابع للجزء من الاية (أو تخفوه) فكيف لا يكون هناك حساب على كل
(1) الناس
(2) ق (11) .
(3) قال النووي: ضبط العلماء أنفسها بالنصب والرفع، وهما ظاهران، إلا أن النصب أظهر وأشهر، قال القاضي عياض: أنفسها بالنصب ويدل عليه قوله: إن أحدنا ليحدث نفسه، قال الطحاوي وأهل اللغة يقولون أنفسها بالرع يريدون بغير اختيارها، قال تعالى (ونعلم ما توسوس به نفسه) والله أعلم.