ينعكس هذا كله في شكل تفويض من العبد لنفسه من تكاليف حسب هواه فالقيادة هنا للعقل خارج القلب والتكليف مصدره الهوى وليس الله كما ذكرنا سابقًا ولذلك فإن هذا الفرد نجده يدعي لنفس الأعذار في عدم القيام بواجب معين فيحدث التفريط في واجبات الدين ويقول بأنه ليس في وسعه القيام بهذا الواجب وهو المعنى الظاهري تبعًا للجوارح غير الإيمانية والقلب المنعدم الإيمان فيقال له (إن بوسعك القيام بهذا العمل إذا دخل الإيمان في قلبك واتسع له فالله لا يكلف النفس البشرية إلا وسعها) .
مرحلة الإيمان:
ينتقل الأمر في حالات الإيمان ليكون التفويض تلقائيًا من الله للنفس البشرية بكامل أجهزتها قلبًا وجوارحًا أي أن المصدر هنا هو الله تعالى وهو المصدر الصحيح ولأنه صحيح يحدث فيه التدرج الصحيح ألا وهو تدرج الوسع حسب تدرج الإيمان وهذا هو موضوع هذا الجزء من البحث فكيف يحدث ذلك؟
أولًا عرفنا سابقًا ما هو المقصود بالتدرج الديني، الإسلام - الإيمان- الإحسان، هذا التدرج والترقي في الدين عبارة عن جانب نظري تشريعي وضعه الخالق والشارع سبحانه وتعالى ليتم تطبيقه على خلق آخر وهو العبد بل وخلق العبد مخصوصًا لهذا التشريع كما خلق الشرع مخصوصًا لهذا العبد وبالتالي كان لا بد من تصمي معين مخصوص لهذا العبد حتى يستطيع تطبيق هذا التشريع وأهم مكونات هذا التصميم هو أنه يتكون من جزئين جزء ظاهر وهو الجوارح وجزء باطن وهو القلب - النفس - الروح وهكذا هذا من حيث الأعضاء والأجهزة ثم وضع آلية خصائصية للعمل بهذه الجوارح هي مناط التكليف عن طريق ما ينعكس من الباطن أجهزة وخصائص وهكذا ربط الظاهر بالباطن والآلية بالخصائص لذا سميت آلية خصائصية. وقد عبر عنها القرآن بالعروة الوثقى أي الرابط القوي الذي يربط الظاهر بالباطن ثم يربط كلًا من الظاهر والباطن بالله. قال تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) [1] . أما تدرج الوسع حسب تدرج الدين موضوع هذا الجزء فنجده ميسرًا حسب الشرع والخلق أعلاه خاصة هنا حيث مرحلة الإيمان وحيث ينساب الإنشراح والإتساع بصورة طبيعية وكلما زاد الإيمان زاد الإنشراح والإتساع بنور الإيمان حتى يصل إل أعلى درجات الإيمان وهي الإحسان وفي كل هذه المراحل الإيمانية ينعكس الباطن إلى الظاهر أو الجوارح مناط التكليف مكونة العمل الصالح وصولًا إلى ذلك العمل الذي يصدر من العبد وكأنه يرى الله تعالى أمامه وهي مرحلة الإحسان كما جاء في الحديث. وهنا تطمئن النفس نتيجة هذا الاتساع فتتكون النفس المطمئنة والعكس صحيح فكلما نقص الإيمان نقص الوسع وضاق الصدر بالشرع
(1) البقرة (256) .