فالقرآن إذا وصف الكافر بأي وصف كان ذلك خطاب غير مباشر للمسلم بالخطورة من اتباع الكافر في ذلك الأمر فلا يدخل معه في أي جحر يدخله ولكن هل وقف القرآن عند هذا الحد؟ لا بل وضع استريجية للتحاكم وفق الشرع في الأمور الإجتهادية وذلك من خلال بلاغة القرآن بالقفز مباشرة إلى النتائج المحتمل وقوعها خلال تبادل الرأي والرأي الآخر قبل وأثناء وبعد هذا المجهود الفكري العقلي الإجتهادي بعيدًا عن الطاغوت ألا وهو الوقوع أو احتمال وقوع الإختلاف في وجهات النظر فأوضح القرآن بأن هناك أمور يمكن أن يقع فيها هذا الإختلاف فإذا وقع إختلاف في أي شيء يتم فورًا رد الأمر إلى الله ورسوله قال تعالى (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب) [1] -وهناك أمور قد تتعدى مرحلة الإختلاف إلى الخلاف والتنازع فيجب ردها أيضًا إلى الله ورسوله وأولي الأمر قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) [2] فالمؤمنين لا يؤمنون ولا يكتمل إيمانهم حتى يحكموا الرسول فيما شجر بينهم كما قال تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا حرجًا في ما قضيت ويسلموا تسليما) [3] وقال تعالى (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينا) [4] - وما ذلك إلا للمحافظة على وحدة الكلمة المسلمة من التفرق الذي قد يؤدي إليه التنازع ومنه يقع الفشل وذهاب الريح أمام الأعداء قال تعالى (-وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) [5] -وهذا التدرج القرآني من الحكم إلى التحاكم إلى الإختلاف إلى التنازع الداخلي ثم التنازع الخارجي أمام العدو ما هو إلا ترتيب إلهي لمنهجية الحكم في الإسلام واستراتيجية شاملة للعمل بمقتضى الفكر الإسلامي على الأرض وصولًا إلى الحكم أعلى درجات تطبيق الفكر وهناك أمر آخر يمكن أن يقع داخل دائرة المسؤولية بشكل عام والحكم بشكل خاص ألا وهو إذاعة ونشر أي أمر يأتي إلى الحاكم أو القائد أو المسؤول فأوضح القرآن أنه يجب رد الأمر إلى العلماء والخبراء وأصحاب التخصص الذين يستنبطون الأمر قال تعالى (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى
(1) الشورى 10
(2) النساء 59
(3) النساء 65
(4) الأحزاب 36
(5) الأنفال 46