قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام وأختاروه على غيره، وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال، فما أعلم أحدًا بقى غيرك في هذه الحرجة، وأنت إن لم تسلم اليوم وتبعته توطئك الخيل وتبيد خضراءك، فأسلم تسلم، ويستعملك على قومك ولا تدخل عليك الخيل والرجال، قال: دعني يومى هذا، وأرجع غدًا فرجعت إلي أخيه فقال: يا عمرو إني لأرجو أن يسلم إن لم يضنَّ بملكه حتى إذا كان الغد اتيت إليه، فأبى أن يأذن لى. فانصرفت إلى أخيه، فأخبرته أنى لم اصل إليه، فأوصلنى إليه، فقال: إنى فكرت فيما دعوتنى إليه، فإذا أنا أضعف إن ملكت رجلًا ما في يدى، وهو لا تبلغ خيله هاهنا، وإن بلغت خيله لقيت قتالًا ليس كقتال من لاقى. قلت: ان خارج غدًا، فلما أيقن بمخرجى خلا به أخوه فقال: ما نحن فيما ظهر عليه، وكل من أرسل إليه قد أجابه، فأصبح فأرسل إلىّ، فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعًا، وصدقا النبي (ص) ، وخليا بينى وبين الصدقة، وبين الحكم فيما بينهم، وكانا في عونًا على من خالفنى [1]
وسياق هذه القصة تدل على ان ارسال الكتاب إليهما تأخر كثيرًا عن كتب بقية الملوك، ولأغلب أنه كان بعد الفتح.
وبهذه الكتب كان النبي (ص) قد ابلغ دعوته إلى اكثر ملوك الأرض، فمنهم من آمن به ومنهم من كفر، ولكن شغل فكره هولاء الكافرين، وعرف لديهم باسمه ودينه.
كان القصدمن ايرادهؤلاء السفراء مايلى: ـ
1/ان لفظ السفراء اوالسفير اوالخارجية كوزارة بماتحمل من سفراء الى العالم سواء كان اسلامى او غير اسلامى لم يكن جديدًا على الأمة ولم يكن من حيث المعنى والمفهوم مقصورًا فقط على فتح أبواب للعلاقات بين الدول بل ان الأصل فيه كما، وضح أعلاه هو إلى الله والتى تبدأ من داخل الأسرة لتمتد شجرتها لكل الأرض وهى تلك القاعدة التى رسمها لنا الرسول الكريم في الحديث (كقوله عليه السلام بلغوا عنى ولو آية) [2] فالأسرة والوطن وجميع المسلمين يحتاجون إلى هذا البلاغ فهى بالنسبة لهم تذكرة وعظة قال تعالي {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [3]
وأما غير المسلمين فالدعوة إلى الإسلام بالنسبة بهم تعنى إدخالهم في الإسلام أى إخراجهم من الظلمات إلى النور كما قال تعالى: {رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا} [4]
(1) - واد المعاد 3/ 62، 63
(2) البخارى كتاب احاديث الأنبياء باب ما ذكر عن بنى إسرائيل 75، 4 برقم 3461
(3) الرحيق المختوم بحث في السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام تأليف فضيلة الشيخ صفى الرحمن المباركفورى، الطبعة الشرعية دار التقوى للنشر والتوزيع ن 4715506 دار الوفاء المنصورة 1423 هـ 2002 م المرحلة الثانية مكاتبة الملوك والأمراء ص 358
(4) - سورة الطلاق