وقال تعالى (واتقوا الله ويعلمكم الله) [1] . وقد جاء في مسند الإمام أحمد (عن أبي رزين العقيلي قال قلنا يا ر سول الله ما الإيمان؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما وأن تحترق بالنار أحب إليك من أن تشرك بالله وأن تحب غير نسب لا تحبه إلا لله فإذا كنت كذلك فقد دخل حب الإيمان في قلبك كما دخل حب الماء للظمآن في اليوم القائظ قلت يار سول الله كيف لي بأن أعلم أني مؤمن؟ قال: ما من أمتي أو عبد يعمل حسنة فيعلم أنها حسنة وأن الله جازيه بها خيرًا ولا يعمل السيئة فيعلم أنها سيئة ويستفغر الله منها ويعلم أنه لا يغفر إلا هو إلا وهو مؤمن) [2] .
ولكن لا بد من التفريق بين علم العبد وعلم الله في القرآن الكريم، قال تعالى (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون) [3] .
هذا العلم جزئي، أي الجزء الذي لا يعلمه العبد يعلمه الله مثل الآية (ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء) [4] ، أي جزء من علمه، وهنا جاء الربط بين علم الله وعلم العبد في الأساس الذي بنت عليه الآية تحديد الإشارة بمعنى أن الآية في الأساس تتحدث أو تشير إلى علم العبد تحديدًا كأساس بدليل صفة المخاطبة في واو الجماعة في تعلمون أي تعلمون أنتم جزء من علم الله بدليل أن الجزء الذي لا تعلمونه انتم يعلمه الله إضافة إلى علمه تعالى بالنسبة لعلم العبد أي عكس ما سبق، أي التركيز على علم الله في الأساس ثم ربطه بعد ذلك بعلم العبد، يأتي التعبير عن علم الله الكلي وليس الجزئي كما سبق، قال تعالى (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) [5] . ونلاحظ هنا أن لفظ الجلالة سبق لفظ العلم في جملة (الله يعلم) في حين سبق لفظ العلم لفظ الجلالة في الآية السابقة ليدل على الفرق بين الآيتين، فإذا سبق لفظ العلم كان الحديث عن العبد في الأساس وإذا سبق لفظ الجلالة كان الحديث عن الله تعالى في الأساس ثم ربطه بالبد كما هو الحال هنا في الآية الثانية ومعروف في اللغة الفرق بين الإسم والفعل ولذا جاءت واو المعية للتفريق بين الإسم والتفعل أي وقوعهما بين الإسم والفعل في جملة (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) ولكن لم يكتفي بالفصل بين الإسم والفعل وهو (يعلم) بحرف الواو فقط بل نفى صفة العلم نهائيًا من العبد ليدل هذا النفي على علم الله الكلي ليتم التناسق بين عدم العلم الكلي للعبد المنسوب لعمل الله
(1) البقرة (282) .
(2) كتاب جامع العلوم والحكمة في شرح خمسين حديثًامن جوامع الكلم، تأليف الإمام الحافظ ابي الفرج بن شهاب الدين البغدادي ثم الدمشقي الشهير بابن رجب الحنبلي (736 - 795 هـ) ، تحقيق وليد بن محمد بن سلامة، مكتبة الصفا، ط 1 1422 هـ-2002 م، حديث رقم 2، ص 309.
(3) النحل (8) .
(4) البقرة (255) .
(5) النحل (8) .