مسئولين {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} سورة البقرة (143) {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} سورة آل عمران (110)
وإذا نظر المؤمنيني في طبيعة شريعتهم وقاسوها إلى شرائع الناس ومللهم وجدوا هذه قاطية - مهما كانت اسماؤها ومعانيها - من نتاج عقل وضعي منقوص وألفوا أنفسهم على هدي من الله، وكان لهم هذا الوجدان مبعث عزة عظيمة لأنه تحرير مطلق للإنسان من أن يطيع أمر بشر مثله وتركيم له من أن يركن إلى بنات فكر البشر الحبالي بالنقائض والنقائص والتي تحدها ظروفها البئية وتطبيعها الغزائز والأهواء فالمؤمن يعتز بانه حر كريم ويزهو بأنه مستمسك بحبل من الله بينما ينحط من دونه سائر الناس في ضلال هابط. ولين أعجب كل ذي مذهب بمذهبه وبالغ في مزاياه ورزعم له الكمال فإن ذلك كله لا يبلغ اعتزاز المؤمن بشريعته التي يرفعها فوق مراتب الفكر البشري كافة ويصلها إلى علم الله وكماله: ( {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} سورة الجاثية(18)
ويؤسس المؤمنيني بالشريعة أمة عزيزة يمثلون في نظام حياتهم معاني الشريعة التي تتميز وتعلو على كل نظام ويمنعونها بالقوة الصادقة من عدوان العادين، ويعود عليهم واقعهم المجيد بمزيد من مشاعر الاعتزاز ومهما دالت الدولة للكفار وتقلبوا في الأرض وبسطوا سلطان القوة والمال فإن المؤمنيني يوقنون باستعلاء شأنهم فينهضون لتحقيق ذلك في واقع الحياة مؤمنين أن الجهاد والانتصار للدين هو قدرهم في الابتلاء واثقين انهم متى ثبتوا وصبروا كتب الله لهم العاقبة ومكن لهم دينهم، فإن العزة لله ينصر من ينصره وإن يجنده لهم الغالبون ( {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} سورة النور(55)
ولا عزة للمؤنين تجاه الله أخيه المؤمن فإنهم سواسيه في ميزان الإيمان لا تنحسم منافستهم في يالعمل الصالح او ينجلي تفاضلهم إلا في خاتمة الحساب يوم القيامة، أما في الدنيا فالمؤمن مدعو بواجب الإخاء أن يذل لأخيه ويوطئ له كنفه ولكن الذي يلازم المؤمن من معاني العزة في علاقته بالمؤمنيني هو استشعار مسئوليته الفردية فكل مؤمن على صلة خاصة بربه ليس عليه فيها حفيظ ولا يخضع فيها لسطان غير الله، وعليه كذلك مسئولية فردية أمام ربه ينبني على ما يليه من تكاليف بقدر ما قسم اله من طاقة وفهم ليس له في ذلك من شفيع ولا يزر وزره احد فالمؤمن له نوع استغلال بإيمانه وعملة.
ولقد بينا في موضع سابق اثر اختصاص المؤمن بمسئوليته في إطلاق حرية العمل والنهضة بلا مراعاة للمتثاقلين أو اتكال على الآخرين، كما أثره على رابطة الجماعة فإنه لا يزيدها إلا توثيقًا - إذ تتباين أنصبة المؤمنيني من العمل وموافقتهم في