فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 1119

سائر الناس بشتي احزابهم وطوائفهم عاكفين علي آلهة أرضية أو علي أهواء بشرية، وأين تلك التعلقات الهابطة من التعلطع الي جناب الله والتوجه إلي عليائه؟ (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ(10) سورة فاطر (قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ سورة الأنعام(71)

وإذ نيط الترقي بالاختيار وقيست درجة الإنسان بما يكسبه لنفسه أو عليها فذلك كما قدمنا معيار إنساني يمتاز بالرحابة والعدل - لانه يتيح مدارج الرقي لكل البشر على سواء ويختص بالثبات والاستقامة لأن أثره لا يبطل مهما تغيرات الطبيعة والمجتمع ولأنه يضطرد فيميز أصل الايمان عن اضصل الكفر ثم يميز من بعد درجات المؤمنين

وهذا التصور الذي يجعل صفة الإيمان مرتبة علو تسمو بالإنسان فوق سطح التقسيمات والولاءات الأخريي - هذا لتصور يروث المؤمن عزة واستغلالاُفالمؤمن يستنكف أن يوالي غير المؤمنيني لأنه يتصور ذلك انحدارًا من دركه إلى دركهم: ( {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا} سورة النساء سورة النساء(138 - 139) وتري المؤمنيني يتبرؤون من تقليد الكافرين ومضاهاتهم ولو في محقرات الأمور وتلفيهم أشد نفورًا من أن يذلوا لسلطانهم أو يتبنوا ما يختص بهم من الأعراف والمذاهب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ} (149) سورة آل عمران

بيد أن المؤمن لا يجرد الكافرين من مقتضي صفة البشرية التي يستوي بها بنو آدم جميعًا، ولا ينحو في ذلك نحو العصبيات الفطرية والمذهبية التي تكاد تسقط الأجنبي عنها من عداد الناس. فالمؤمن لا يضطهد أخاه الإنسان ولا يبدؤه بالعدوان ولا يحرمه حقوقه الأساسية. وإذا وجد المؤمنيني سبيلًا على الكافرين عرفوا لهم كرامة الإنسان وحقوقه وبسطوا إليهم يد العدل والبرما استقام أولئك للمؤمنين، لا سيما أن الناس كلهم أهل للدعوة والخطاب ليدخلوا مختارين في إخاء الايمان وعزته ( {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (33 - 34) سورة فصلت، ( {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} سورة الممتحنة(8)

وهذه العزة هي مما يعصم أصحاب الدين من الانصهار والاندثار لأنها لا تنفك عنهم مهما افتقروا واغتني غيرهم أو استضعفتهم قوته المادية القاهرة، فأنفسهم عزيزة لا تنهضم ولا تنهزم، تتحفز دائمًا لرد التحدي وتحيقي معاني العزة والغلبة في واقع الحياة. ولو أن المؤمن انعزل وحدة في مجتمع غريب وأحاطت به الحياة الجاهلية لظل مستشعرًا امتياز موقفه الديني معغتزًا به عازمًا على الاستمساك به بل تجده مجتهدًا حتى تعلوا كلمته وتسود قيمة ذلك أن دعاة الهدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت