لأن حساب التفاضل مؤجل إلى يوم القيامة مطرحين اعتبارات التفاوت في الرزق والجاه لأن متاع الآخرة خير وأبقي وأكبر درجات وتفضيلًا.
وتتأكد دواعي لالمساواة والتماثل بين المؤمنيني بإجماعهم على شريعة واحدة فلا تجد طائفة منهم سبًا لادعاء الفضل في نهج منفصل تختص به دون أخري. ثم إن الطبيعة الربانية للشريعة ترفعها فوق أغراض البشر الجزئية ومصالحهم الفئوية فغالب الشارئع الوضعية تستند إلى الفئة الحاكمة في المجتمع وتمثل بالضرورة مذاهبها في في العلاقات العامة أما الشريعة الإلهية فإنها تنزع حق الحكومة من البشر المستغلين وترد الأمر إلى الله فيستشعر أفراد المؤمنين إزاءها المساواة المطلقة والعدل الكامل لأنها ليست من بعض أهل الأرض أصحاب المصالح والأغراض بل هي من لدن رب العباد الذي يرعاهم جميعًا ولا يحابي أو يظلم منهم أحدًا ( {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} سورة الحديد(25) وفي ظل هذه الشريعة يسعد الناس بمعاني المساواة - رعية وولاة وضعافًا وأقوياء - ويطمئنون من انقطاع التظالم فيتم له حسن الظن وصفو الإخاء
وترسي الشريعة بأحكامها الفرعية كذلك أصول المساواة، إذ يربي المؤمن على استشعار الكرامة وتنهاه عن الظلم وغمط الحقوق فالناس سواسية مهما كانت أصولهم وأوضاعهم - يستوون من حيث هم بشر في حرمة أنفسهم وفي حرية اختيار الدين وفي لأخذ بين يدي العدالة: ( {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} سورة المائدة(45) ، ( {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا} سورة الكهف(29) ، ( {وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَأَىدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ} سورة النحل(71) ، ( {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} سورة الشورى(38) ، ( {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} سورة النساء(58)
4 -العزة:
بينما يستشعر المؤمنين المساواة يما بينهم على أصل الإيمان ويكلون التفاوت بعدها إلى حساب الله يرون أنفسهم بمقام الايمان فوق الناس جميعًا، فلئن كانوا يردون البشر الي عنصر واحد ويسقطون تباين الاجناس والطباع واختلاف الاوضاع العرقية والاجتماعية ويعدون ذلك قسمة أفقية يغلب فيها قدر الله ويصرفونها الي حكمة اجتماعية غير التفضيل المعنوي، فإنهم يرون القيمة الحقيقية لمقامات الناس في تعبدهم لله طوعا ويرون أقدارهم منوطة بمواقف 6 هم من خيار الايمان والكفر. فأهل الإيمان عندهم خير علي الأطلاق من أهل الكفر، أولئك يعبدون الله رفيع الدرجات بينما ينحط