فهرس الكتاب

الصفحة 414 من 1119

التباري وعليه يترتب التفاضل: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} سورة سبأ (37) وفيقصة نوح مع قومه عبرة - إذ أرادوا أن يحاكموه فيمن أتبعه إلى موازينهم هم للفضل وأراد أن يهديهم من قيم الجاهلية إلى ميزان الحق: ( {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ} (115) سورة الشعراء (111 - 115)

أما الذين امنو فأولائك تماثلوا واستووا طبعًا وأختيارًا - إذ هم اشقاء اعتقاد واحد يتكافؤون به - أحمرهم واسودهم وعربيهم وعجميهم وشرقيهم وغربيهم وغنيهم وفقيرهم. إنما يتفاوت المؤمنون في مراقي الإيمان من بعد هذا المبتدأ السوي، فيسبق الذي هو أزكي نفسًا وأقرب للتقوي. وقد يحتاج المؤمنون لاتخاذ المعاملات والأداب التي يراعي فيها تفاضل درجات الدين ولكن الدين في حقيقة أمر باطني يقوم بالنفس لا يعلم دقائقه ولا يقدر حسابه إلا الله، ووجوه التدين الظاهرة قد لا تمثل تلك الحقيقة أو لا تدل على مدى التفاضل فيها، ولذلك لا سبيل للبشر إلى الوقوف على أنصبة الناس الحقيقة من التقوي إلا حين توضع الموازين القسط القيامة فإذا إضطر المؤمنون في حياتهم الدنيا إلى تقدير مراتب دين الأفراد لتقرير الأهليات والحقوق ولتقديم بعضهم على بعض في الولايات والمعاملات فإنهم - مهما ضبطوا موازين الكسب الدنيوي من قوة وعلم - عاجزون عن سبر الأغوار الدينية للنفوس وقياس التفاضل بينها - ليس لهم بذلك سلطان ( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} سورة الحجرات(11) وفي عقيدة التوحد معني يعصم المؤمنيني من أن تفشو فيهم دواعي التفاضل بغير حق وذلك أن المؤمن إذا أسلم الربوية لله واسند إليه وحدة العظمة والكبرياء لا يري من بعد حقًا له في التعالي على أحد هو نده في العبودية للعلي الكبير. كما أنه لا يري أحد سوي الله حقًا في الطغيان عليه، ولئن ذل لاخوانه المؤمنني سماحة وإيثارًا فإنه لا يذل خزيًا ولا وضاعة ولا يفرط في استيفاء حقوقه في الحياة بما يحفظ له كرامته الإنسانية وحريته في اتخاذ سبيله إلى ربه والمنافسة فيها.

ولذلك تظل روح التكافؤ والاسواء بين المؤمنيني مركوزة في وجدانهم مستصحبة في معاملاتهم سائدة في حياتهم بل إن معايير الترجيح التقريبية الظاهرية الت تقام بين الأفراد لتقدير درجة الفضل يكون لها أثر علمي طيب في إشاعة المساواة والوئام لأنها ترمز إلى مجالات التنافس المعتبرة في المجتمع المؤمن، فإذا توجه المؤمنيني إلى التسابق فيها عظموا قدر العلم والصلاح والتقوي مما يثمر يوم الدين وزهدوا في المنافسات الشرسة على المال والجاه وسائر متاع الدنيا الذي يفرق الناس ويوغر صدورهم باغل ويخرب حياتهم بالشقاق لأنه متاع محدود لا يتسع لطامعية جميعًا إلا أن يغريهم بالحسد والتظالم، وإنما شأن المؤمنيني أن يتنافسوا على العمل والعمل الصالح وأن يعيشوا في تحاب مستشعرين المساواة في الدين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت