فبأثر من الايمان ترسو عاطفة الموالاة الفعالة في نفوس المؤمنيني فتقيهم الشريعة على قاعدة منها صرح الجماعة بشتي الأحكام العملية - تؤسس النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعبدية وتوفضل قواعد السلوك التي تناسبها. فالجماعة المؤمنة مدعوة لان تقيم على شئونها العامة ولاة يوحدون مركز ولائها السياسي ينتخبون بالبيعة العامة ويحكمون بالشوري، وهي مأمورة بأن تشيع الائتمار بالمعروف والتناهي عن المنكر، وإذا لزم الجهاد قاتلوا جميعًا كالصف المرصوص. واقتصاد المؤمنيني يقوم على الاشتراك في المرافق العامة ثم على إنفاق المال وتوزيع الثروة، فالفرد يعول من يليه بالنفقة الواجبة، والجماعة تكفل للمحتاج حاجاته الأساسية وتتعاون في الوفاء بسائر حاجاته بل إن العبادات التي يختص فيها المؤمن يالتوجه إلى ربه ويزكي بها نفسه تتضمن في نظامها أعمالًا جماعية وتربية تؤكد التولي بين المؤمنيني ولا يكاد المرء يحصي توجيهات الشريعة الفرعية التي تدعو إلى التعاون والتناصر وإلى اتقاء الفرقة ورفع الخصومات وتبين أداب التعامل والتزاوج والجوار واللقاء والكلاموغير ذلك من الشئون العامة.
3 -المساواة
يتماثل الناس في نظر الدين في مبدأ إنسانيتهم لأنهم يصدرون في الخلق عن أصل واحد ويمثلون جميعًا في مقام العبودية الطبيعية لله، فهم سواء بعضهم من بعض لا فضل على أحد من حيث جوهر وجودهم: ( {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} سورة النساء(1) . وإنما يتمايز الناس بعد ذلك بموافقهم من عبودية الاختيار، فمنهم من يؤمن بالله ويختار أن يحتكم إلى أوامره الشرعية طوعًا فيما أتيح له من حرية المشيئة، ومنهم من يكفر ويعصي الله في هذا المجال وإن كان لا يملك أن يخرج عن حكم أوامره الطبيعية الجبرية. فإنما بدأ الله الناس من قاعدة استواء ثم أقام موازين التفاضل حينما طرح أمامهم مراتب الرقي والانحطاط ووكل أمرهم في ذلك إلى اختيارهم ومشيتهم الحرة: ( {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} سورة الحجرات(13) هكذا تتميز موازين الاستواء والتفاضل في الدين عنها في التقدير الوضعي. فكثير من الناس لا يعترف باستواء البشر في أصل الوجود والطبيعة، بل يتخذ معايير التفاضل من أوضاع الطبيعة البشرية ذاتها صادرًا عن عصبية اللون أو العرق أو اللسان أو سائر مقومات التعصب الفطري، أو يتخذها من خصائص الاجتماع كقومية اللغة والوطن أو من أوضاع المجتمع كطبيقة النبلاء والأغنياء والفقراء. وينعدم مجال الاختيار والكسب في ذلك كله أو يضيق، لأنها خصائص يولد عليها المرء أوتغلبه فيها قوانيني الحياة الاجتماعية. أما فوارق الطبع والميلاد فهي من خلق الله، وحق الإنسان أن يتأملمنها وجه الحكمة والاعتبار لا أن يتخذها سببًا للغرور والفقر، وأما الأوضاع الاجتماعية فمهما يكن نصيب الكسب فيها إنما بفوارقها على وجه الضبط مقادير الكسب لا مزايا الخير، وهي حظوظ دنيا يقسمها الله بأسباب معقدة وحكمة دقيقة وليس في بسط أنصبتها وتقديرها دليل التفاضل عنده تعالى سوي انها عناصر ابتلاء تطرح أمام الناس ليتصرفوا فيها باختيار بنانء على مواقفم الكلية من قضية الإيمان ومقامات قربهم إلى الله وفي هذا الاختيار يقع