ولما كانت الشريعة محكمة خالدة لا تنتسخ مهما تغيرت الظروف فإن آثار التعاون والإخاء التي تحدثها تظل باقية عبر الاجيال بينما تلتئم وتنفض الجماعات المؤسسة على مذاهب البشر (شرع لكم من الدين ما وصيبه نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموساوعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه .. ) (الشوري 13)
وسيكون لنا عود بإذن الله إلى الخصائص التي تتميز بها رابطة العقيدة والشريعة عن سائر انماط الاجتماع البشري.
2 -الموالاة:
من خصائص أخوة الإيسمان أنها تدعو صاحبها إلى شدة موالاة المؤمنيني وإلى التجرد عنالعالئق الأخري. فنشة الأخوة عن إرادة حرةتستتبع اعتناء المرء بها واتخاذه منها موقف وعي وايجاب، فتراه يعبر عنها بالموالاة الفعلية للمؤمنيني وينشطللعمل معهم ومن أجهم ولا يكاد يكونفي واقع الحياة إلا بهم كأنهم استكمال لذاته أو بعض منأبعاد نفسه: (تري المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعي لهاسائر الجسد بالسهر والحمي)
(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا (( البخاري) .
ويزدوج معني الموالاة في أخوة الإيمان مع معني التجرد عن كل ولاء آخر لأن معاني الإيمان تمل النفس ولا تبقي فيها بقية. وقد أسلفنا الذكر في شأن التوحيد وأثره في تخليص النفس من شوائ الاشراك وتجريدها لعبودية الله وتسليمها من التشقق والمنازعة، كما بينا صفة الشمول التي تتخذها الآثار العلمية للإيمان. فمن الواضح - ما دام ذلك كذلك - أن أخوة تبني على الإيمان تمتاز بصفاء خالص لا يلابسها ميل أو هوي آخر. وإنماالإيمان الصادق أن يجعل المرء ولاء دين فوق كل نسب أو عصيبة وحاكمًا لكل علاقة: (يأيها الذين أمنوا لا تتخذوا اباءكم وإخوانكم أولايء إن استحبوا الكفر على الإيمن ومن يتولهممنكم فأولئك هم الظالمون) (التوبة 23) فالمؤمن بما يحب بره ويرجو مرضاته لا يوالي عبده الطاغوت الذين يحق عليهم غضب الله، وهو بما يشكر الله لا يوالي منيكفره، وبما يؤمن بلقائه يوم البعث لا يوالي من ينكر البعث والجزاء: (يأيها الذين امنوالا تتولوا قومًا غض الله عليهم قد يئسوا من الأخرة كما ئئس الكفار من أصحاب القبور) (الممتحنة 13) ، (وتري كثيرًا منهم يتولون الذين كفروالبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخطالله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إيه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرًا منهم فاسقون) (المائدة 80 - 81) وإنما ولاء المؤمن لمنيماثلونه في نهج الحياة لا يفتنه عن ولائهم إن يراهم في حال من المسكنة أو أن ينتفخ الكفار جاهًا وتعاظمًا: (وأصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهة ولا تعد عيناك عنهم تريد زين الحيوة الدنيا ولا تطع من أغفلا قلبهعن ذكرنا واتبع هوئه وكان أمره فرطا) (الكهف 28) وكلما تمكن الإيمان من النفس تلاشت فيها وفنيت سائر الصلات والعلائق حتى إذا كمل الإيمان تبرأ الإنسان من كل ولاء وسلم بكل عاطفة لإخوانه المؤمنين. وقد لا يتحرك أخو العصبية الفطرية بعاطفة ووعي إيجابي نحو إعمار علاقته بأهله لأن اتلعلاقة بهم موضوعة عليه بحكم الطبيعة ليس له فيها إلا السلب والركون، ولا يكاد يشذ عن ذلك الموقف الساكن إلا