فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 1119

ووجه الاستدلال من هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرُ معاذًا على الاجتهاد برأيه إذا لم يجد في الكتاب أو السنة ما يقضي به بالرأي كما يكون بقياس النظير على نظيره يكون بتطبيق مباديء الشريعة والاسترشاد بمقاصدها العامة والعمل بالمصالح المرسلة لا يخرج عن هذا

وأما الآثار فقد ثبت من استقراء تشريع الصحابة والتابعين ومن بعدهم فقهاء الأمة أنهم بنوا كثيرًا من الأحكام على مصالح لم يقم على اعتبارها شاهد من الشرع ويظهر ذلك جليًُا في الوقائع التالية:-

قصة جمع المصحف في عهد أبي بكر الصديق بإشارة عمر رضي الله عنهما عملّ معنيّ بالمصلحة كما يدل ذلك قول أبي بكر عندما أشار عليه عمر بذلك كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول عمر إنه والله خيرّ ومصلحة للإسلام

وهذا عثمان بن عفُان يأمر بكتابة المصاحف وتوزيعها في الأمصار وجمع الناس على مصحفٍ واحد وتحريق ما عداه من المصاحف المنتشرة في الآفاق وذلك مراعاة للمصلحة التي رآها وهي وضع حد للخلاف بين المسلمين في قراءة القرآن وحسم مادة النزاع ونرى عثمان أيضًا رضي الله عنه يحكم بتوريث المرأة من زوجها الذي طلُقها ثلاثًا في مرض موته معاملةً له بنقيض قصده

وعلي كرُم الله وجهه يحرق الفلاة من الشيعة لمصلحة رآها في ذلك والحنفية حجروا على المفتي الماجن والطبيب الجاهل

وإذا كان أكابر الصحابة ومن بعدهم من الفقهاء قد شرُعوا من الأحكام ما هو مبني على المصالح المرسلة في ذلك إلا لأنها معتبرة كمصدر من مصادر التشريع

أما المعقول فهو أن المقصود من التشريع جلب المصالح ودفع المفاسد عن العباد ولا شك أن مصالح الناس متجددة بتجدد الزمان وفي نفس الوقت تختلف باختلاف البيئات وليس من اليسير حصرها في عدد معيُن فإذا لم تعتبر المصالح المتجددة ولم تشرُع لها الأحكام المناسبة ووقفنا عند حد المصالح التي قام عليها الدليل على رعايتها لضاع على الناس الكثير من مصالحهم ووقف التشريع جامدًا عن مسايرته لتطورات الزمن وهذا لا يتفق وما قصد بالتشريع من تحيق مصالح الناس ورد المفاسد عنهم ولا يتلاءم ما هو معروفّ من أن هذه الشريعة هي شريعة الخلود والبقاء

أدلُة المنكرين:-

استدلُ المنكرون على ما ذهبوا إليه بما يلي:-

(أ) أن الشارع الحكيم ألغى بعض المصالح واعتبر بعضها والمصالح المرسلة مترددة بين ما ألغاه الشارع وبين ما اعتبره فتحتمل أن تكون من المصالح التي ألغاها الشارع كما تحتمل أن تكون من المصالح التي اعتبرها ومع هذا الاحتمال لا يمكن الجزم ولا الظل باعتبارها وبناء الأحكام عليها وإلا كان ترجيحًا بلا مرجُح وهذا باطل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت