فهرس الكتاب

الصفحة 342 من 1119

والجواب على ذلك أن القائلين بحجة المصالح المرسلة لا يدُعون الجزم باعتبارها بل يقولون: إن الظاهر اعتبارها والظهور كان في باب الأحكام العملية والحكم بظهور العمل بالمصالح المرسلة ليس ترجيحًا من غير مرجُح لأن المصالح التي ألغاها الشارع قليلة بالنسبة للمصالح التي اعتبرها فإذا كانت هناك مصلحة لم يقم دليل على اعتبارها أو إلغاءها كان الراجح إلحاقها بالكثير الغالب دون القليل النادر

على إن ما ألغاه الشارع من المصالح لم يلغه إلا إذا ترتب علي اعتبارها مفسدة تساويها أو تكون راجحة عليها وهو غير موجود في المصالح المتنازع عليها لأن جلب المصالح فيها أرجح على جلب المفاسد فلا يصح إلحاقها بالمصالح التي حكم الشارع بإلغائها

(ب) القول بتشريع الأحكام بناءً على المصالح المرسلة فيه فتح باب لذوي الأهواء التي لا تقف عند حد وهو تحليل المفاسد مصالح والمصالح أمور تقديرية تختلف باختلاف الناس وهذا باب شره عظيم وخطره جسيم

فالجواب عن هذا: إننا إذا عرفنا أن من شروط الأخذ بالمصالح المرسلة ألا يرد فيها دليل شرعي معيُن يدل على اعتبارها أو إلغاءها فإن هذا الشرط يخرجها عن أن تكون في متناول العلماء الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد فضلًا عن غيرهم من العوام أو ذوي الأهواء إذ لا يدري أن هذه مصلحة لم يرد علي اعتبارها أو إلغائها دليل شرعي إلا من كان أهلًا للاستنباط فليس كل ما يبدوا للعقل أنه مصلحة يدخل تحت المصالح المرسلة وتبنى عليه الأحكام وإنما هي المصالح التي لا يدركها من هو أهل التعرُف بالأحكام الشرعية من مصادرها حتى يمكن الوثوق بأنه يرد في الشريعة دليل على اعتبارها أو إلغائها) [1]

ولي تعليق:- أولًا الاجتهاد بالرأي لا يكون إلا لأمثال معاذ أو من هم في درجة إيمانهم ذلك إن الأمر هنا تحول تدرجي أي من الكتاب إلى السنة إلى الاجتهاد مما يعني أنه سلُم أيماني تدرُجي فإذا كان قمته الكتاب فالسنة فهذا يعني إن مرتبة ما بعد السنة لابد أن تكون في مقام كليهما أي السنة والكتاب وهذه المرتبة هي الإحسان أعلى مراتب الإيمان ليكون صاحبها في قمة الإيمان الذي يؤهله لهذا الاجتهاد الرفيع ونور الإيمان يقود صاحبه إلى الطريق الصحيح للاجتهاد بكل سهولة

ثانيًا ذكر الكاتب بعض الأدلة من الآثار منها أن علي كرُم الله وجهه أمر بحرق الفلاة من الشيعة وهذا يدخل ضمن ما قلناه في الفقرة السابقة من أثر الإيمان ونور البصيرة عند المؤمن التي تمكنه من رؤية باطن الأمور وليس ظاهرها نتيجة لبعد نظره فإنُه يرى بنور الله وهي الفراسة ولذلك فإن الحكم على ظاهر الأشياء التي في مثل هذا التصرُف تبخس من قدره مثل ما حدث مع موسى عليه السلام ونبي الله الخضر وهذا يدعم ضرورة الإحسان

(1) - كتاب في أصول الحكم وفق المنهاج المقرر على طلاب السنة الأولى والثانية بكلية القنون بفلم منصور محمد الشيخ مدرس المادة - المملكة الليبية جامعة السيد محمد بن علي السنوسي الإسلامية مدينة البيضاء - ليبياط 1 دار الطباعة المحمدية بالأزهر - القاهرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت