فهرس الكتاب

الصفحة 339 من 1119

كرهّ لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شرّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)

والخلاصة من هذا كله إن معيار الشارع في اعتبار المصالح والمفاسد إنما يقوم على الموازنة بين جهتي الفعل واعتبار الغالب منهما فلا يأمر إلا بما فيه مصلحة راجحة ولا ينهي إلا عمُا فيه مفسدة راجحة باعتبار إحدى الجهتين لا يعلم إلا عن طريق الشارع ولا دخل للعقل في هذا ومن غير الممكن أن يكون وضع الأحكام تابعًا لرغبات الناس وأهواءهم لقوله تعالى (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن)

تعليل آراء العلماء من أحكام الشرعية بالمصالح:-

تمهيد:-

كثير من الأمور التي تقع للناس في حياتهم تكون مشتملة على أمور تصلح أن تكون مناطًا لحكم شرعي يحكم به بناء على تلك الأمور وهذه الأمور هي المعروفة عند العلماء بالمعاني المناسبة للحكم وهذه المعاني تتنوع بالنظر إلى شهادة الشارع لها بالاعتبار إلى ثلاثة أنواع:-

1 -معاني قام الدليل الشرعي على رعايتها واعتبارها وهي ما تعرف عند الأصوليين بالمناسب المعتبر أو المصلحة المعتبرة وهذه لا خلاف في جواز التعليل بها وبناء الحكم عليها باتفاق القائلين بحجة القياس وتحت هذا النوع تدخل المصالح التي جاءت الأحكام المشروعة لتحقيقها كحفظ العقل الذي شرع لتحقيقه تحريم الخمر والحد على السارق وحفظ النفس الذي شرع لتحقيقه القتل والقصاص على القاتل عمدًا وحفظ المال الذي شرع لتحقيقه تحريم السرقة وقطع يد السارق إلى غير ذلك من المصالح التي اعتبرها الشارع وشرع الأحكام لتحقيقها

2 -معانٍ قام الدليل الشرعي على إلغائها وعدم اعتبارها وتسمى بالمصلحة الملغاة وهذه لا يصح التعليل بها وبناء الحكم عليها باتفاق العلماء والشارع لا يلغي مصلحة من المصالح إلا إذا ترتب على اعتبارها ضياع مصلحة أرجح منها ومن أمثلة ذلك منع تعدد الزوجات فقد يبدوا أن فيه مصلحة وهي قطع ما يحدث بين الضرائر من المنازعات والخصومات التي قد يكون لها أسوأ الأثر في حل الروابط بين أفراد الأسرة الواحدة ولكن الشارع ألغى هذه المصلحة فلم يعتبرها وأباح تعدد الزوجات اكتفاءًا باشتراط العدل فيما بينهن نظرًا لما يترتب عليه من العديد من المصالح كالإكثار من النسل والتوالد الذي هو المقصود الأول من الزواج وصون أرباب الشهوات الحادة من الوقوع في جريمة الزنا فضلًا على أنه علاج اجتماعي فعُال لما يعرض للأمة من نقص في رجالها في أعقاب الحروب حتى لا يبقى عدد كبير من النساء بدون عائل يقوم بشؤونها ويحصن نفوسهن

3 -معانٍ لم يقم الدليل الشرعي على اعتبارها أو إلغائها وهي التي سكت الشارع ولم يرتب حكمًا على وقفها وليس لها أصل معيُن تقاس عليه وهي التي تعرف عند الأصوليين بالمناسب المرسل أو المصالح المرسلة أي المطلقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت