فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 1119

وقد نبُه الشارع على كثير من هذه المصالح في الكتاب الكريم والسنة المطهُرة ففي الكتاب الكريم يقول الله تعالى في شأن الوضوء (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم) الآية ويقول في شأن الصلاة (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) ويقول في شأن الصيام (( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) ويقول في شأن القصاص (ولكم في القصاص حياةّ يا أولي الألباب لعلكم تتقون) ويقول في شأن الجهاد (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)

وفي هذه النصوص الكريمة وغيرها يتضح إن الأحكام إنما شرُعت لجلب مصلحة أو درء مفسدة وهذا ما يحقق للناس السعادة في الدين والدنيا وفي السنة المطهُرة يقول النبي صلى الله عليه وسلم في تقليل حرمة الحج بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها في النكاح (إنُكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم) ويقول صلى الله عليه وسلم في تقليل طهارة سؤ الهرة إنها من الطوافين عليكم والطوُافات

وهكذا فالمعيار الشرعي هو الذي ينبغي المصير إليه لأنه يلاحظ مصلحة الفرد والجماعات ويوازن بين عاجل المنافع وآجلها وبين الراجح والمرجوح إذا كانت جهة المضرة هي الراجحة إعتبره الشارع مفسدة ونهى عنه وألغى جهة النفع المرجوحة فيه ولم ينظر إليها ولو اعتبر الشارع الجهتين في الفعل فأمر به مراعاة لما فيه من مصلحة ونهى عنه لما فيه من مفسدة للزم عليه أن الفعل لا يكون مأمورًا به ولا منهيًا عنه وبعبارة أخرى يلزمه أن يكون الفعل مأمورًا به وغير مأمور به وهذا ما لا يطاق لأن العبد يتعذر عليه الامتثال

وعليه يتعين اعتبار إحدى الجهتين والعبرة بالغالب الراجح وهذا نوع من التكليف واضح في المأمور به والمنهي عنه

فالإيمان بالله وإن كانت المصلحة فيه راجحة لكن فيه بعض المضار الذاتية من كسر النفس ومنعها عن الانطلاق ونيل الرغبات وقهر ما تحت سلطان التكليف باعتباره إلزامًا بما فيه كلفة

فلو اعتبر الشارع هذه الجهة المرجوحة لكان الإيمان منهيًا عنه بهذه الجهة مأمورًا به للجهة الراجحة وهو باطل لأن الإيمان مأمور به على الإطلاق وجهة الضرر فيه غير معتبرة شرعًا والكفر وإن كانت المفسدة فيه راجحة ولكن فيه بعض المنافع الذاتية المرجوحة من انطلاق النفس وتحررها من قيود التكاليف وتمتعها بجميع ألوان الشهوات فلو اعتبر الشارع هذه الناحية لكان الكفر مأمورًا به وهذا باطل لأن الكفر منهيًا عنه على الإطلاق ولذا كانت جهة النفع فيه ملغاة في نظر الشارع

والجهاد وإن كانت النفوس تعافه بطبيعة ما فيه من إزهاق الأرواح ولكن عاقبته إعلاء كلمة الله وحراسة الدين وأمن الناس على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وهذه المنافع كلها تزيد على ما فيه من المضار وعليه يكون الجهاد مأمورًا به من هذه الناحية ولا اعتبار لجهة الضرر المرجوحة ويؤيد ذلك قوله تعالى (كتب عليكم القتال وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت