الحكمة من الخلاف والاختلاف:
قال تعالى (وأنزلتا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعةً ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمةً واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخبرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) [1]
أولًا من الواضح أن الأصل في الاختلاف هنا هو الجانب الديني لأن هناك اختلاف في الألوان والألسنة والأجناس وكلها موجودة في القرآن ولكن ما نحن بصدده هنا هو الدين وما سببه من خلاف واختلاف ولذلك أوضحت الآية أعلاه نوع الاختلاف الذي نحن بصدده موضحة أن الله جعل لكل نبي شرعة ومنهاجا وهو اختلاف ضروري وهام لأن لكل نبي أمة تختلف عن أمة النبي الآخر وذكرنا هذا في تدرج الدين حسب تدرج العصور ولكن نلاحظ إنه داخل هذا الاختلاف العام بين الأنبياء وشرائعهم يوجد إختلاف داخل أمة النبي المعين ينتج عن تحريف الكتب والأديان حيث يؤمن البعض ويكفر البعض وهو إختلاف لازم جميع الأنبياء وأممهم أي الاختلاف بين الحق والباطل أي بين الكفر والإيمان وإلى يومنا هذا.
هذا النوع الأخير من الاختلاف داخل أمة النبي المعين هو المقصود بالاختلاف في آخر الزمان وعصر عيسى وقد أوضحت آية أخرى شبيهة بهذه الآية إن الناس كانوا أمة واحدة قال تعالى (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معه الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلف فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) [2] وبعد تحديد نوع الاختلاف نرجع للآية أعلاه التي أوضحت الاختلاف العام للأنبياء وشرائعهم فذكرت الحكمة منه وهو إن الله جعله ليكون بمثابة الإبتلاء والإمتحان لعباده فيتم أخذ هذه الحكمة من الإختلاف العام ليتم تحويلها إلى الحكمة من الإختلاف الخاص بأمة محمد صلى الله عليه وسلام ليكون أو لتكون الحكمة هي الابتلاء على مستوى أمة آخر الزمان وهو ما يتلاءم مع القمم التي ذكرناها سابقًا بأن آخر الزمان تكون فيه القمة في كل شيء ومن ضمنها قمة البلاء وهو البلاء على مستوى الدولة وليس الفرد أو الجماعة ليتماشى ذلك مع قمة الإيمان على مستوى الدولة في آخر الزمان أو عصر التمكين والذي يحتاج لأعلى درجات الإيمان وهي الإحسان على مستوى الدولة.
(1) - المائدة 48
(2) - البقرة 213