وللإجابة على هذا السؤال طرح القرآن مفهومًا شاملًا لمعنى الهداية الربانية من خلال الإرجاع موضوع هذا الجزء من البحث كما يلي:
قال تعالى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) [1] وواضح من الآية إيراد إيراد الهداية وربطها بالإرجاع والذي ورد هنا بلفظ (ينيب) والإنابة هي الرجوع إلى الله بل وجعل الهداية لا تكون إلا لمن ينيب أو يرجع إلى الله ومن يرجع إلى الله يرجع كل ما اختلف حوله إلى الله ليتم حل هذا الاختلاف وهو ما بدأت به الآية من ذكر الخلاف في قوله (ولا تتفرقوا) أي لا تختلفوا وهي وصية لا يتم تنفيذها إلا بالهداية التي يهدي بها الله الذين آمنوا لحل ما اختلف فيه من الحق بإذنه كما أشارت الآية السابقة والتي لا تتم إلا لمن ينيب والتي ختمت بها الآية هنا ليتم الجمع بين الآيتين للخروج بالآتي:
1)إن عصر عيسى عليه السلام في آخر الزمان يكون فيه الخلاف والاختلاف
2)إن الطريق لحل هذه الخلافات والاختلافات ومعرفة تأصيلها يكون عن طريق الهدي الرباني
3)إن الهداية يلزمها أمران هما:-
أ- التوحد وعدم التفرق والاعتصام بحبل الله كما ذكرت الآيات
ب- الإنابة والرجوع إلى الله في كل شيء بأن يكون العبد منيبًا إلى الله حتى يتمكن من فتح باب الإنباء وهو الإخبار بكيفية حل الخلافات والاختلافات كما سيظهر عند الحديث عن مرحلة الإنباء لعيسى عليه السلام في آخر الزمان
كذلك قال تعالى (ويقول الذين كفروا لولا أنزل إليه عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب الذين تطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب) [2] وهنا لم يتم ربط الإنابة بالهداية فقط بل ختمت الآيات بوصف المنيبين الذين تطمئن قلوبهم بذكر الله وهذه الطمأنينة بذكر الله ليست غريبة عليهم لأن الله تعالى أوضح إنه لا يتذكر إلا من ينيب قال تعالى (هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقًا وما يتذكر إلا من ينيب) [3] وقال تعالى (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوجٍ بهيج تبصرةً وذكرى لكل
(1) الشورى-13
(2) - الرعد 27 - 28
(3) - غافر 13