قال تعالى (ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ون جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علمّ فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلى ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) [1] وهنا تعبير جديد رائع بروعة هذا القرآن وبليغ ببلاغة هذا القرآن في ربط الحقائق بالأحداث فجاءت هنا حقيقة جديدة وهامة في شان الوالدين وما أعظمها من حقيقة تستحق أن يتم ربطها بالإرجاع والإنباء موضوع هذا الجزء من البحث فالوالدين تم ربطهم بأعظم من الربط بالإرجاع والإنباء حيث تم ربطهم بالخالق عز وجل مباشرةً قال تعالى (وقضى ربك ألاُ تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغنُ عنده الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما) [2] وعليه تم التعبير عن الحياة الدنيا بواحد من الأعمال الهامة فيها وهي طاعة الوالدين وهي تكون على مستوى العبد أو حياته المعاشية أو على مستوى العصر بمعنى الفترة الخاصة برفعه عليه السلام إلى السماء أي قبل ظهوره ثم جاء تعبير ثاني بحدث ثاني عن نفس هذه الفترة وهو أمره تعالى لنبيه بأن يتبع سبيل من أناب إليه والإنابة إلى الله هي الرجوع إليه قال تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) [3] ولكن الرجوع أو الإنابة هنا تختلف عن الرجوع في خاتمة نفس الآية (ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون) والدليل على ذلك وجود الحرف أو اللفظ (ثم) والتي تفصل بين فترتين الأولى فترة رفعه عليه السلام والثانية عند ظهوره في آخر الزمان ليكون الرجوع الأول تابع للفترة الأولى ويكون الرجوع الثاني تابع للفترة الثانية أما الرجوع الأول والتابع للفترة الأولى هو رجوع يكون في الحياة الدنيا وفترتها ويكون على مستوى الفرد أو حياته المعاشية فأمر نبيه باتباع هؤلاء المنيبين ممن عاش معهم ثم من بعده المؤمنين حيث يكون الأمر لهم باتباع المنيبين ممن يعيش بينهم وهكذا يكون المعنى على امتداد العصور حتى يصل الأمر إلى يوم قيام المسيح هذا على مستوى العصر وهو هنا يكون عبارة عن الفترة من ظهور محمد صلى الله عليه وسلم إلى مرحلة قيام المسيح ثم تأتي المرحلة الثانية للرجوع الثاني وهي فترة ظهور عيسى عليه السلام في آخر الزمان أو مرحلة قيام المسيح نفسها حيث مراحل حكمه وفيها الإرجاع والإنباء الذين تحدثت عنهما الآية في خاتمتها وقد تم شرحهم على مستوى العبد والعصر
وبالتالي تكون الآية قد جمعت بين العبد والعصر ولأول مرة جمعت بين الرجوع قبل ظهور عيس وبعده ولذلك قلنا إن امتداد المراحل الحكمية لعيس يكون عبر العصور بهدف التمهيد لمرحلته في آخر الزمان عن
(1) - لقمان 15
(2) الإسراء -23
(3) -الأنعام 162