عيسى عليه السلام رغم إن عصر عيسى عليه السلام هو أحد علامات الساعة الكبرى بمعنى أن الأحداث تتوالى سراعًا بعده وصولًا إلى قيام الساعة فهو إذن امتداد ليوم الحساب كذلك الآخرة للعبد بمعنى سكرات الموت وهي أيضًا إمتداد ليوم الحساب لأن الآخرة للعبد أي الموت هو أول منازل الآخرة أو يوم الحساب فمن رأى الخير عند موته كان ذلك امتداد لما يحدث له يوم الحساب ومن رأى الشر عند موته كان ذلك امتدادًا له في يوم الحساب وستتضح الآيات في هذا المعنى لاحقًا ورغم ذلك جاءت الآيات الخاصة بيوم الحساب ومعانيه مثل هذه الآية لتوضيح المعنى بشكل أكثر تفصيلًا كذلك آية أخرى قال تعالى (( ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار) وهي آية خاصة تتحدث عن اليهود ولكن تم سحب العذاب في الدنيا لهم لأنه تم عقابهم بذلك الجلاء الذي كتبه الله عليهم وكان ذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وواضح إنه ليس منهم من عاش حتى ظهور عيسى عليه السلام وبالتالي تحددت الفترة الزمنية التي جرت فيها الأحداث لتكون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فقط ويكون البشر المقصودين في الآية هم من عاش في هذه الفترة وبالتالي يكون لفظ الدنيا هنا على مستوى العصر محدد فقط بعصر النبي صلى الله عليه وسلم أي كل من عاش من اليهود في هذه الفترة تحديدًا لذلك قلنا لابد من استصحاب البيئة حول اللفظ المعين في الآية من خلال متابعة الأحداث والسياغ العام للآية وعليه أصبح معنى الدنيا هنا معنى خاص بهذه الفئة أما لفظ الدنيا على مستوى العبد فلا يتبدل ولا يتغير لأنه يعني دنيا العبد المعاشية وهذه لا تتغير عند أي عبد وبالتالي يكون المعنى الثاني للفظ الدنيا على مستوى العبد يعني أنه لولا أن كتب الله الجلاء على هؤلاء اليهود في دنياهم المعاشية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعذبهم في دنياهم المعاشية وفي المقابل جاء لفظ الآخرة في الآية ليكون خاص بيوم الحساب بدليل عذاب النار الذي لا يكون إلا في يوم الحساب وقلنا سابقًا إن لفظ الآخرة له معنيان الأول خاص بعصر عيسى عليه السلام والثاني خاص بيوم الحساب ونلاحظ مرة أخر الفصل بين اللفظين (الدنيا والآخرة) بجملة (ولهم في) وهو فاصل بين اللفظين من حيث المساحة في الكلمات والمساحة الزمنية الفاصلة بين الفترتين الدنيا والآخرة كما في الآية السابقة.
كذلك آية أخرى ورد فيها لفظي الدنيا والآخرة بصورة مختلفة قال تعالى (قل متاع الدنيا قليل والآخرة خيرّ وأبقى) [1] وهنا ورد لفظي الدنيا والآخرة في صورتهما المطلقة والعامة فالآية تتحدث بشكل عام عن الدنيا كلها من عصر آدم عليه السلام إلى قيام الساعة بينما تشير لفظ الآخرة إلى قيام الساعة أو يوم الحساب حيث توضح تشير الآية إلى أن الدنيا متاعّ قليل والآخرة خيرّ وأبقى وكثيرًا ما تشير الآيات إلى معاني خاصة بالدنيا مثل المتاع واللهو والزينة وغيرها من صفات الدنيا ويوجد في القرآن كثير من الأمثلة لهذه الآيات التي فيها لفظي الدنيا والآخرة بشكل عام.
(1) -النساء 77