عاش في كلا الفترتين فترة رفعه عليه السلام أو الدنيا وفترة نزوله أو الآخرة وكذلك على مستوى العبد في دنياه المعاشية وآخرته عند موته كما شرحنا ليتم الجمع بين العبد والعصر في نفس الآية
قال تعالى (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم كالذين من قبلكم كانوا أشُد منكم قوة وأكثر أموالًا وأولادًا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولائك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون) [1] وهذه الآيات هامة لأنها جمعت بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم والأمم السابقة لضرورة الربط بين مصير كل الناس وصولًا إلى عصر عيسى عليه السلام في آخر الزمان خاصة ذلك العصر الذي حكم فيه عيسى عليه السلام عندما أرسل إلى بني إسرائيل لأنها تعتبر مرحلة أولى لحكمه وضع فيها الأسس وبين لقومه الشرائع فمنهم من آمن ومنهم من كفر وبالتالي يوضح القرآن إن مصير من كفر هو إحباط عمله في الدنيا والآخرة لكل هذه العصور ومن عاش فيها.
وقد ذكرنا في بداية البحث إن الآخرة لها معنى آخر وهو يوم الحساب وهنا نرد الآيات وفيها لفظي الدنيا والآخرة ولكن يكون معنى الآخرة هنا يوم الحساب قال تعالى (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولائك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذابّ عظيم) [2] وأول ما نلاحظه هنا الفصل بين اللفظين 0 (الدنيا والآخرة) فقد جاءت بينهم جملة (خزي ولهم) وهذه المساحة التي فصلت بين اللفظين ليست هي مساحة في الكلمات على السطر فحسب بل هي مكانة زمنية وتعني مسافة زمنية أكبر من الفترتين للدنيا والآخرة في الآيات السابقة حيث يشير لفظ الدنيا إلى كل الفترة الزمنية من ظهور عيسى الأول عند بعثه إلى بني إسرائيل وإلى مماته بما فيها فترة رفعه وهي لا شك أكبر من أي فترة مرت بنا في تفسير معنى اللفظين وتشير الآخرة إلى يوم الحساب ودائمًا يوم الحساب في القرآن يقابله معنى كبير للدنيا إما المعنى السابق الإشارة إليه هنا في هذه الآية أو معنى أكبر منه وهو الخاص بكل الدنيا من آدم عليه السلام وإلى قيام الساعة كما سيتضح لاحقًا وكل معنى له ما يشير إليه في السياغ العام للآية لذلك قلنا إنه لابد من فهم السياغ العام للآية إضافةً إلى المعنى الخاص باللفظ كما أيضًا يشير السياغ العام للآية هنا بأن الآخرة هي يوم الحساب وليس بمعنى عصر عيسى عليه السلام في آخر الزمان كما سبق والدليل على ذلك جملة (عذاب عظيم) وهو عذاب يوم الحساب ويوم الجزاء بمعنى إن الألفاظ تأتي في القرآن بما يناسبها من الوصف الخاص بها لتقريب المعنى فالعذاب العظيم أشار إلى يوم الحساب بينما لفظ العذاب فقط أشار إلى عذاب الآخرة بمعنى عصر
(1) - التوبة -68 - 69
(2) البقرة 114