** فَبِمَا نَقْضِهِمْ مّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىَ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلََكِن شُبّهَ لَهُمْ وَإِنّ الّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكّ مّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاّ اتّبَاعَ الظّنّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِن مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا *
وهذه من الذنوب التي ارتكبوها, مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى, وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم, وكفرهم بآيات الله, أي حججه وبراهينه, والمعجزات التي شاهدوها على يد الأنبياء عليهم السلام, قوله: {وقتلهم الأنبياء بغير حق} وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله, فإنهم قتلوا جمعًا غفيرًا من الأنبياء عليهم السلام. وقولهم: {قلوبنا غلف} قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة وغير واحد: أي في غطاء, وهذا كقول المشركين {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} الاَية, وقيل معناه أنهم ادعوا أن قلوبهم غلف للعلم, أي أوعية للعلم قد حوته وحصلته, رواه الكلبي عن أبي صالح, عن ابن عباس, وقد تقدم نظيره في سورة البقرة, قال الله تعالى: {بل طبع الله عليها بكفرهم} فعلى القول الأول كأنهم يعتذرون إليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول, لأنها في غلف وفي أكنة, قال الله: بل هي مطبوع عليها بكفرهم وعلى القول الثاني: عكس عليهم ما ادعوه من كل وجه, وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة {فلا يؤمنون إلا قليلًا} أي تمرنت قلوبهم على الكفر والطغيان, وقلة الإيمان {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني أنهم رموها بالزنا, وكذلك قال السدي وجويبر ومحمد بن إسحاق وغير واحد, وهو ظاهر من الاَية, أنهم رموها وابنها بالعظائم, فجعلوها زانية وقد حملت بولدها من ذلك, زاد بعضهم: وهي حائض فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة, وقولهم: {إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله} أي هذا الذي يدعي لنفسه هذا المنصب قتلناه, وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء, كقول المشركين {يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} وكان من خبر اليهود, عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه, أنه لما بعث الله عيسى بن مريم بالبينات والهدى حسدوه على ما آتاه الله تعالى من النبوة والمعجزات الباهرات التي كان يبريء بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله, ويصور من الطين طائرًا, ثم ينفخ فيه, فيكون طائرًا يشاهد طيرانه بإذن الله عز وجل, إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه, ومع هذا كذبوه وخالفوه وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم حتى جعل نبي الله عيسى عليه السلام, لا يساكنهم في بلدة, بل يكثر السياحة هو وأمه عليهما السلام, ثم لم يقنعهم ذلك, حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان, وكان رجلًا مشركًا من عبدة الكواكب, وكان يقال لأهل ملته اليونان, وأنهوا إليه أن في بيت المقدس رجلًا يفتن الناس ويضلهم, ويفسد على الملك رعاياه, فغضب الملك من هذا وكتب إلى نائبه بالمقدس أن