فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 1119

يحتاط على هذا المذكور, وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه, ويكف أذاه عن الناس, فلما وصل الكتاب امتثل والي بيت المقدس ذلك, وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى عليه السلام, وهو في جماعة من أصحابه اثني عشر أو ثلاثة عشر, وقيل سبعة عشر نفرًا, وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت, فحصروه هنالك. فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم, قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم فكأنه استصغره عن ذلك, فأعادها ثانية وثالثة, وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب, فقال: أنت هو, وألقى الله عليه شبه عيسى حتى كأنه هو, وفتحت روزنة من سقف البيت, وأخذت عيسى عليه السلام سنة من النوم, فرفع إلى السماء وهو كذلك, كما قال الله تعالى: {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} الاَية, فلما رفع خرج أولئك النفر, فلما رأى أولئك ذلك الشاب, ظنوا أنه عيسى, فأخذوه في الليل وصلبوه, ووضعوا الشوك على رأسه, وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه, وتبجحوا بذلك وسلم لهم طوائف من النصارى, ذلك لجهلهم وقلة عقلهم, ما عدا من كان في البيت مع المسيح, فإنهم شاهدوا رفعه. وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن اليهود, أن المصلوب هو المسيح بن مريم, حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت, ويقال إنه خاطبها, والله أعلم, وهذا كله من امتحان الله عباده, لما له في ذلك من الحكمة البالغة.

وقد أوضح الله الأمر وجلاه وبينه, وأظهره في القرآن العظيم, الذي أنزله على رسوله الكريم, المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات, فقال تعالى: وهو أصدق القائلين ورب العالمين, المطلع على السرائر والضمائر, الذي يعلم السر في السموات والأرض, العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} أي رأوا شبهه فظنوه إياه, ولهذا قال: {وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} يعني بذلك من ادعى أنه قتله من اليهود, ومن سلمه إليهم من جهال النصارى, كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسعر, ولهذا قال: {وما قتلوه يقينًا} أي وما قتلوه متيقنين أنه هو بل شاكين متوهمين {بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزًا} أي منيع الجناب, لا يرام جنابه ولا يضام من لاذ ببابه, {حكيمًا} أي في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها, وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم والأمر القديم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان, حدثنا أبو معاوية عن الأعمش, عن المنهال بن عمرو, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء, خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلًا من الحواريين, يعني فخرج عليهم من عين في البيت, ورأسه يقطر ماء, فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة, بعد أن آمن بي, قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنًا, فقال له: اجلس, ثم أعاد عليهم, فقام ذلك الشاب, فقال: اجلس, ثم أعاد عليهم, فقام الشاب, فقال: أنا, فقال: هو أنت ذاك, فألقي عليه شبه عيسى, ورفع عيسى من روزنة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت