ذلك أن للأسرة في الرؤية الإسلامية شأنها الخطير، لأنها نواة الأمة الشاهدة الرائدة، ونقطة الارتكاز في بناء أمر الإسلام ونشره وتثبيت دعائمه، ولئن كان لجميع المؤسسات في المجتمع الإسلامي نظامها الذي يضمن بقاءها ونماءها فإن قيامها الحق لا يكون إلا بما تمدها به مؤسسة الأسرة من صالحي الرجال والنساء، ولن يتم ذلك إلا إذا قامت العلاقة الزوجية في الأمة على منهج الله رضا واختيارا وامتثالا.
ولئن كان الامتثال لهذا المنهج واجبا شرعيا لا يتم إسلام المرء إلا به لقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} النساء 65، فإن ذلك أيضا لما ميزه به رب العزة تعالى من مناسبته للفطرة واستجابته للاستعدادات البيولوجية والنفسية لكل من المرأة والرجل وما نيط بهما من وظائف ومهام.
لقد وردت أحكام الأسرة المسلمة منتثرة حسب السياق والحاجة في عدد من سور القرآن الكريم، وبصفة خاصة في سورة البقرة وسورة النور وسورة الأحزاب وسورة الطلاق وسورة التحريم وغيرها من السور الأخرى، مما تكامل به المنهج الإسلامي دقة وشمولا وعلاجا لكل ما من شأنه أن يعصف بمؤسسة الأسرة أو يستأصل شجرتها المباركة، إلا أنه تعالى قد أجمل كل ذلك بقاعدة تنظيمية تشمل الأصل في العلاقة الزوجية والأس في بنائها وحفظها واستقامة طريقتها في الآيتين الرابعة والثلاثين والخامسة والثلاثين من سورة النساء فقال عز وجل في مقدمتهما:
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} والقوامة لغة من:"قام"يقوم قَوْما وقِياما وقَوْمةً وقامةً، أي: وقف ونهض، والقِيام ضدّ القُعود والجلوس، وهو أيضا المُثُولُ والتَّنَصُّب، والقائِمُ على الدين: الثابت عليه المواظب على العمل به، ومنه قوله تعالى: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ} آل عمران 113، وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} الجن 19، وقوله تعالى: {إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الكهف 14، وقِوامُ الأمر بالكسر نِظامُه وعِماده، يقال: فلان قِوامُ أهل بيته وقِيامُ أهل بيته وقَوَّام أهل بيته، أي هو الذي يُقيم شأْنهم ويتكفل بأمرهم ويمونهم ويرعاهم، من قوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} النساء 5.
أما قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} فمعناه أن الرجال مُوَكَّلون شرعا بالقيام بأمور النساء التي ليس لهن القيام بها بحكم الفطرة التي جبلن عليها والتكوين الذي خلقن عليه، والخصائص التي تميزن بها. والإطلاق في التعبير بكلمتي {الرِّجَالُ} و {النِّسَاءِ} يفيد أن الآية ليست