فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 326

كأن ينوي أحدهم العقد على من زنا بها والده أو ابنه مثلا، فقد اختلف الفقهاء في تحريمه، وقد كان مالك يرى أنّ الزنا لا ينشر الحرمة، وخالفه في ذلك من أصحابه ابن الماجشون فقال: الزنى ينشر الحرمة، وإن كان التحريم هو الأقرب إلى الصواب وإلى عموم ظاهر الآية الكريمة وإلى أصل اللغة في النكاح، والأنسب لقبح الفعل وشناعته.

أما قوله تعالى بعدها: {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} فمعناه: سوى ما قام من نكاح قبل نزول التحريم بهذه الآية، ثم وصف حقيقة هذا الفعل بقوله: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} ، والضمير المتصل في كلمة {إِنَّهُ} يعود على هذا الصنف من النكاح المحرم، ولفظ الفاحشة يطلق على القبيح إذا عظم، ويعظم القبيح بمقدار شدة الزجر والنهي عنه، كما أن التعبير بلفظ {كَانَ} يفيد الماضي المستمر للحاضر والمستقبل، أي إن فحشه أصلي فيه لازم لا يفارقه، ولئن كان ما مضى معفوا عنه فإن الاستمرار عليه محرم قطعا، ولا سلامة منه إلا بالإقلاع والتوبة والإنابة، وكل من أسلم على زوجة كانت لأحد أصوله من أبيه أو أمه لم يحل له الاستمرار عليها كما لا يحل له الابتداء بنكاحها، وذلك هو الشأن في كل امرأة محرمة بعينها، أما عن حكم الشرع فيمن فعل ذلك في الإسلام فقد روي صحيحا عن البراء قال: لقيت عمي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه بعده أن أضرب عنقه وآخذ ماله.

ثم ختم الحق سبحانه الآية الكريمة بوصفٍ لهذا الفعل أشد قبحا من الفاحشة فقال: {وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا} أي إنه بالإضافة إلى فحشه عمل بالغ الحد في الشناعة والفظاعة، وأشد المسالك سوءا، مبغوض وممقوت عند الله وعند ذوي المروءة والعقول السوية، لما فيه من هتك لحرمة الآباء وتقطيع للأرحام ونشر للفاحشة بين أفراد الأسرة الواحدة؛ وقد كان هذا النكاح شائعا في عرب الجاهلية، إلا أن ذوي المروءة منهم كانوا يمقتونه ويسمونه نكاح المقت ويطلقون على من ولد به لقب"المَقْتِيّ"، أى المبغوض. ومنه نكاح صفوان بن أمية زوجة أبيه أمية بن خلف بعد موته، وهي فاختة بنت الأسود بن المطلب، ونكاح عمرو بن أميةَ آمنةَ بنتَ أبان زوجةَ أبيه وأمَّ إخوته العاص وأبي العاص والعيص وأبي العيص وأخَوَاتهم، فأولدها أبا معيط، وهم بنوا أمية بن عبد شمس.

وبعد تعظيم حرمة الآباء بتحريم نكاح أزواجهم على الأبناء، يخلص الشرع الحكيم إلى تعظيم حرمة الأمهات وما دونهن فقال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت