الحديث يقدم الأقرب في العصبة على الأبعد، الأخ الشقيق مثلا يقدم على الأخ لأب، وابن الأخ الشقيق يقدم على ابن الأخ لأب ... إلخ.
وقد لا تستغرق الفروض الميراث كله، وليس مع الورثة عاصب، واختلف الفقهاء في الذي ينبغي أن يُعطَى باقي التركة، هل يرد على أصحاب الفروض؟، أم على أولي الأرحام وهم كل قريب ليس بذي سهم ولا عصبة؟ أم على بيت مال المسلمين إن كان لهم بيت مال؟
وقد تضيق التركة على الورثة إذا جمعت أنصبتهم كلها، كزوج وأخت شقيقة وأم، فرض الأخت النصف، وفرض الزوج النصف، وفرض الأم الثلث، فيستغرق النصفان التركة كلها ولا يبقى فيها ثلث، وقد حدثت هذه القضية أول الأمر في عهد عمر، فأشار عليه العباس بأن يدخل النقص عليهم جميعا تشبيها بالغرماء إذا ضاق المال عن ديونهم فيَتَحاصُّون بقدر ديونهم، وهو ما يسمى في الفقه الإسلامي بالعَوْل [[1] ]، فتابعه عمر والصحابة، ولم يُنْكَر ذلك إلا بعد موته، أنكره ابنه عبد الله بن عباس [[2] ]، فلم يتابعوه.
وبعد أن أنهى الحق سبحانه تقرير ما سبق في سورة النساء من تشريعات وتوجيهات وبيان لأحكام العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، رعايةً للأرحام، وحفظا لأموال النساء واليتامى، وإعادةَ بناء للحياة الزوجية على أسس سليمة، وتشريعاتٍ منظمةً لحقوق الوارثين والموروثين، عقب على ذلك تحذيرا من مخالفة أمره أو تعدي حدود ما شرعه فقال:
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} وحَدُّ الشيء لغةً هو طرفه الذي يميزه عن غيره ويمنع غيره من الدخول فيه، ولفظ:"تلك"إشارة إلى ما سبق في سورة النساء من أحكام هي الفيصل في معاملات الدنيا ومحاسبات الآخرة؛ ثم زاد عز وجل بيان ذلك ترغيبا للمطيعين بحسن الثواب، وترهيبا للعصاة بسوء العقاب فقال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ
(1) - وهو في اللغة: الميل والجور، ومنه أخذ المعنى الاصطلاحي، لأن المسألة مالت على أهلها بالجور حيث نقصت من فروضهم.
(2) - رأي ابن عباس أن يقدم من قدمه الله ويؤخر من أخره الله، وعنده أن من ينتقل من فرض إلى فرض هو المقدم، ومن ينتقل من فرض إلى لا شيء هو المؤخر، أي: يعطى الزوج فرضه النصف كاملا، والأم الثلث كاملا، والأختان الشقيقتان الباقي؛ إلا أنه طبقا لهذا الرأي يمكن إعطاء الأم ثلثها كاملا لأنها أقرب، ويعطى الزوج نصف الباقي والأختان النصف الثاني، إلا أن رأي ابن عباس مات بموت صاحبه، وانعقد الإجماع على العول.