القراءتين الشاذتين نسخ لفظهما وبقي حكمهما؛ وقد أدى اختلاف أحكام ميراث الإخوة في الآيتين والاستئناس بقراءتي سعد وأُبَيّ إلى إجماع الفقهاء والمفسرين على أن الآية الأولى خاصة بالإخوة للأم، والثانية للإخوة الأشقاء أو للإخوة من الأب إن لم يكن أشقاء. وقد قدم الحق سبحانه آية الإخوة للأم زيادة في الاهتمام بشأن هذه القرابة، لأن الجاهلية العربية والتقاليد القاسية الجافة كانت تستهين بالقرابة من الأم وتستضعف الإناث بعامة، فنزل القرآن الكريم يرد لها اعتبارها ويورِّث الإخوة للأم، وجاءت السنة النبوية تعد ابن أخت القوم منهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ابن أخت القوم منهم) .
لقد أوجزت هذه الآية الكريمة ميراث الإخوة لأم في حالتين: أن ينفرد الأخ أو الأخت فيأخذ كل واحد منهما السدس، أو أن يتعدد الأخ لأم أو الأخت لأم فيكون نصيبهم الثلث يشتركون فيه بالسوية لا فرق بين الذكر والأنثى؛ وبذلك تميزوا عن بقية الورثة من وجوه، منها: أن ذكرهم وأنثاهم سواء، وأنهم لا يرثون إلا إذا كان ميتهم يورث كلالة، فلا يرثون مع أب ولا جد ولا ولد ولا ولد ابن، وأنهم لا يزادون على الثلث وإن كثر ذكورهم وإناثهم.
كل ذلك {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} أي: هذه القسمة ينبغي أن تتم بعد قضاء دين الميت وتنفيذ وصيته، {غَيْرَ مُضَارٍّ} من غير أن تضر الوصية بالورثة أو يضر الورثة بوصية الميت أو دَينه؛ ثم قال تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} أي: عليم بمن جار أو عدل في تنفيذ الوصية أو أداء الديون {حَلِيمٌ} على الجائر لا يعاجله بالعقوبة، يمهل ولا يهمل.
وهناك حالات تعرض عند قسمة الأنصبة ينبغي الإشارة إليها موجزة بكيفية لا تخرجنا عن منهج التفسير ويُرجَع للتوسع فيها إلى فقه الأحكام الشرعية، منها:
أن الميت قد يترك أصحاب فروض لا تستغرق الميراث، ومعهم عاصب، كأن يترك بنتين وعمًّا، فللبنتين الثلثان ويبقى الثلث، ولم تبين الآيات لمن يعطى الثلث الباقي، إلا أن السنة النبوية بينت بقوله صلى الله عليه وسلم: (ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأَوْلى عصبة ذكر) ، وبمقتضى